Search
728 x 90

ازمة النظام اللبناني في ظل اتفاق الطائف

ازمة النظام اللبناني في ظل اتفاق الطائف

السعي لتعديل اتفاق الطائف بالممارسة والاعراف تكشفه الوقائع السياسية الاخيرة. وهو هدف يلتقي عليه كل من رئيس الجمهورية وحزب الله، ولو من موقعين مختلفين.

خلال الاشهر الطويلة من عملية تأليف الحكومة التي كلف الرئيس سعد الحريري رئاستها للمرة الثانية خلال ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، اصطدمت العملية بالنزاع على الصلاحيات الدستورية على خلفية الاقتناعات بأن رئيس الجمهورية يسعى الى استعادة صلاحيات كان انتزعها اتفاق الطائف من هذا الموقع ليضعها من ضمن صلاحيات الحكومة مجتمعة.

اصدر القصر الجمهوري في بعبدا بياناً في 26 حزيران 2018 اي بعد شهر تقريبا على اعادة تكليف الحريري رئاسة الحكومة تحدث فيه عن صلاحيات الرئيس في ما خص نيابة رئاسة الحكومة . جاء في البيان” ان رئيس الجمهورية يتعاطى مع ملف تشكيل الحكومة الجديدة استناداً الى صلاحياته المحددة في الدستور، ولا سيما الفقرة 4 من المادة 53، اضافة الى القوانين المرعية الاجراء.

والرئيس وان لم يتدخل في آلية التشكيل، الا انه ليس في وارد التغاضي عما منحه اياه الدستور من صلاحيات وما درجت عليه الاعراف المعتمدة منذ اتفاق الطائف، ولا سيما لجهة حق رئيس الجمهورية في ان يختار نائب رئيس الحكومة وعددا من الوزراء، يتابع من خلالهم عمل مجلس الوزراء والاداء الحكومي بشكل عام انطلاقاً من قسمه الدستوري بالحفاظ على القوانين. وعلى الذين يسعون في السر والعلن، الى مصادرة هذا الحق المكرس لرئيس الجمهورية، ان يعيدوا حساباتهم ويصححوا رهاناتهم، وينعشوا ذاكرتهم”. 

والاصطدام الثاني كان حين وضع رئيس الحكومة تشكيلة حكومية اعلن رئيس الجمهورية عن رفضها في 3 ايلول الماضي، ما فتح الباب امام جدل عن حق رئيس الجمهورية في رفض التشكيلة او في توقيعها لكي يتحمل رئيس الحكومة مسألة حصولها على الثقة في مجلس النواب. وفتح باب التأخير في تأليف الحكومة الباب في ايلول عن اعلان رئيس الجمهورية نيته توجيه رسالة الى مجلس النواب لوضع المسألة بين يديه، ما اثار انتقادات كبيرة من رؤساء الحكومات السابقين الذيم اطلوا اكثر من مرة في الاشهر الاخيرة دفاعا عن صلاحيات موقع رئاسة الحكومة لتعود المسألة نفسها فتجدد في الاسبوع الاول من كانون الاول بإعلان الرئيس عون عزمه على توجيه رسالة الى مجلس النواب للغاية نفسها.

والمفارقة ان ليس الحريري من استنفر في وجه سعي الرئيس عون الهيمنة على صلاحيات موقع رئاسة الحكومة بل هم رؤساء الحكومات السابقون ودار الفتوى واحياناً ايضا النواب السنة الذين افتعل ” حزب الله” ازمة حكومية من اجل توزيرهم في اطار محاولة انتزاع حصرية التمثيل السنّي من الحريري ومن يرى ضرورة توزيرهم من المعارضين له كالرئيس نجيب ميقاتي. 

والجانب الاخر من ازمة توزير سنّة ما يسمى بـ 8 آذار تتصل برغبة ” حزب الله” في منع حصول فريق رئيس الجمهورية على الثلث المعطل في الحكومة بعدما كان ترك رئيس الحزب الاشتراكي وليد جنبلاط امر تسمية وزير درزي ثالث في الحكومة الى رئيس الجمهورية، الامر الذي غدا يسمح له الى جانب وزرائه مع فريقه من التيار الوطني الحر، ان يحظى بـ 11 وزيراً في الحكومة. وكان ” حزب الله” رفض في بداية انطلاق تأليف الحكومة سعي فريق رئيس الجمهورية الى الثلث المعطل حتى لو كان حليفه باعتبار ان ذلك يمكّن رئيس الجمهورية من التحكم بالقرار في الحكومة.

 والواقع ان رمي كرة السعي الى استعادة صلاحيات الرئاسة الاولى وفق ما كانت قبل اتفاق الطائف ليس اتهاماً يرمى في حق رئيس الجمهورية او تجنياً . اذ يستعين السياسيون المعارضون لهذا المنحى الذي تتخذه الامور على هذا الصعيد بما ردده صهر رئيس الجمهورية الوزير جبران باسيل اكثر من مرة وابان الانتخابات النيابية مفاخراً باستعادة الصلاحيات بالممارسة والعرف إن لم يكن من خلال السعي الى تعديل الدستور. ما يسجل على الرئيس عون في هذا الاطار استخدامه في ادبياته في محطات او مناسبات مختلفة عبارة ” العودة الى 28 عاماً ” باعتبار ان الامور تدهورت مذ ذاك الحين. الامر نفسه يكرره نواب تياره على رغم ان التفكير في هذا التاريخ مهم ويكتسب دلالات عدة.

والمناسبة الرسمية التي سجلت على الرئيس عون العودة الى هذا التحديد التاريخي كانت في خطابه الى اللبنانيين لمناسبة ذكرى الاستقلال في 22 تشرين الثاني 2018 حين قال ولو في معرض الكلام عن التحديات الاقتصادية ” الاقتصاد اللبناني يعاني من مشكلات بنيوية ومالية تفاقمت خلال 28عاماً مضَت وأسفرت عن النتائج التي نواجهها اليوم حيث أنّ النموَّ الحقيقي بقيَ ضعيفاً وعاجزاً عن استيلاد فُرصِ العمل الكافية للشباب، عمّالاً وروّادَ أعمال.  والاستهلاك الخاص والعام يتجاوز بمُجملِه حجم دخلنا المحلّي”.

28 عاما تعني بالتحديد العودة الى العام 1990 اي الى تاريخ بدء العمل باتفاق الطائف بعد اضطرار العماد عون آنذاك الى المغادرة الى فرنسا اثر نفيه بعد العملية العسكرية السورية التي اطاحته من قصر بعبدا فيما كان رئيساً للحكومة الانتقالية انذاك. بعد الحرب الاهلية وحروب الآخرين على ارض لبنان، تمّ توقيع اتفاق الطائف في العام 1989، وتمّ وضع حدّ للاقتتال اللبناني. وضع “الطائف” معادلات جديدة على مستوى الحكم ونقل لبنان على المستوى الدستوري من نظام “شبه رئاسي” إلى نظام برلماني، إذ انتزعت بعض صلاحيات رئيس الجمهورية لمصلحة مجلس الوزراء الذي بات يمتلك السلطة التنفيذية، ورفع حصة الطائفة السنية في السلطة السياسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الطائفة الشيعية، وبات لرئيس مجلس النواب سلطة “مفتاحية” في الإشراف على نشاط الحكومة وتشكيل مجلس الوزراء.

رفض العماد ميشال عون في العام 1989 هذا الاتفاق وكان من نتائج رفضه شن سوريا حرباً عليه حظيت بدعم خارجي، وادّت الى سيطرة سورية كلياً على البلد على نحو شبه رسمي برضى خارجي استمر حتى قيام انتفاضة ثورة الارز التي قامت على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 . فاضطرّت القوات العسكرية السورية الى الانسحاب نهائياً من لبنان. لكن خلال كل هذا الوقت خصوصاً ما بعد الانسحاب السوري، لم يكف العماد عون كرئيس للتيار العوني ثم رئيساً للتيار الوطني الحر عن المطالبة بتطبيق “الطائف” لناحية المناصفة بين المسيحيين والمسلمين بعدما كان رفضه بنيّة ادخال ” فاصلة عليه” او ابسيلوم كما كان يقال حين كان لا يزال في قصر بعبدا في العام 1989.

ويبدو انه يسعى الى تكريس مسألة المناصفة بعد تسلمه الرئاسة الأولى وفقا لمقتضيات “الرئيس القوي” الذي جاء بتسوية سياسية لم تكن متوازنة لا سياسياً ولا مع موقع رئاسة الحكومة. فتجري محاولات لإعادة تكريس معادلات تعود إلى زمن ما قبل الطائف، وبطريقة معكوسة، أي صلاحيات من الرئاسة الثالثة لمصلحة الرئاسة الأولى خصوصاً ان الرئيس الحريري اضعف نيابياً بفقدانه حصرية تمثيل الطائفة السنية كما اضعف سنياً باضطراره الى تقديم استقالته من المملكة السعودية في تشرين الثاني 2017 بعد ضغط سعودي.

 بالعودة الى العام 1990 فإن العماد عون لم يكن يمارس الحكم على نحو طبيعي ولو انه شغل موقع رئاسة الحكومة موقتاً. وهذا لم يحصل ليس لأن حربين ضاريتين حصلتا في ابان وجوده في السلطة، احداهما ضد القوات السورية والاخرى ضد الفريق المسيحي المتمثل في ميليشيا القوات اللبنانية آنذاك، بل لان وجوده في قصر بعبدا كان من ضمن سني الحرب التي كانت بدأت في لبنان في العام 1975 واستمرت حتى نهاية الثمانينيات مع التوصل الى اتفاق الطائف وبداية العمل به مطلع التسعينات. فلا السياسة كانت قائمة انذاك ولا الاقتصاد لكي يعتبرها الرئيس عون محطة فاصلة اسوأ مما كان قبلها.

ومن هنا فإن عودته الى 28 عاما الى الوراء هو لربطه بين الازمات الراهنة بمحطة انطلاق اتفاق الطائف تحديدا. وذلك علماً ان الاقتصاد بدأ يعرف نهضة فعلية بوصول الرئيس رفيق الحريري الى رئاسة الحكومة حيث عمد الى مسح اعوام الحرب بانطلاقة لا بأس بها على رغم ممارسة سوريا وصايتها على لبنان وابقائه موقعاً متقدماً على نحو مباشر او عبر ” حزب الله” للصراع مع اسرائيل.

وقد ارتكبت اخطاء كثيرة منذ اقرار اتفاق الطائف سياسياً واقتصادياً يتحمل الكثير منها اصحاب الوصاية السورية لكن يتحملها المسؤولون اللبنانيون ايضا بالمقدار نفسه. ومع فتح باب خلق اعراف جديدة استأثر بالواجهة فيها في خلال الاشهر الخمسة الاولى من عملية تأليف الحكومة الثانية للحريري الرئيس عون نفسه، فإن افرقاء آخرين كانوا وراء هذا الباب وفي مقدمهم ” حزب الله” الذي يسري منذ زمن بعيد عزم الحزب على الاستفادة من فائض القوة الذي غدا يتمتع به بعد تدخله العسكري في سوريا في تعديل اعراف في ممارسة اتفاق الطائف من خلال تكريس قواعد جديدة نجح في ارسائها خلال الاعوام الاخيرة امتداداً من العام 2008. 

وهذه القواعد التي انطلقت من الديموقراطية التوافقية الى الثلث المعطل في الحكومة الى تكريس حقيبة وزارة المال في اي حكومة للطائفة الشيعية باعتبار توقيع وزير المال التوقيع الرابع الضروري الى جانب توقيعي رئيسي الجمهورية والحكومة، انتهت ابان تأليف الحكومة الاخيرة في تكريس حصة للحزب من ضمن الطائفة السنيّة على غرار مشاركته في الطائفتين الدرزية والمسيحية.وتعديل اتفاق الطائف ولو بالممارسة كهدف يلتقي عليه كل من رئيس الجمهورية و” حزب الله” ولو من موقعين مختلفين سلك طريقه الى الترجمة، ولو ان الكلام لا يزال يدور على محاولات لاجراء هذا التعديل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات