Search
728 x 90

ابيض او اسود؟ هنا المسألة

ابيض او اسود؟ هنا المسألة

“العنصرية لن تُحلّ بين ليلة وضحاها، إنه أمر متجذر بعمق في مجتمعنا وفي تاريخنا. يجب التيقظ، لكن يجب الإقرار أيضا بأن هذا الأمر مستمر منذ فترة طويلة”. الكلام لباراك اوباما، أول رئيس اميركي من اصول افريقية، اثر التظاهرات المتواصلة في مدن اميركية عدة بعد سلسلة حوادث مقتل عدد من الاميركيين من اصول افريقية برصاص شرطيين العام 2014. 
والكلام هذا اليوم، بعد مقتل جورج فلويد الاسود تحت ركبة شرطي ابيض، يثني عليه سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة الذي عاش في اميركا لأكثر من عشرين عاماً، طالباً ودبلوماسياً. وهو يؤكد لموقع beirutinsights ان تاريخ العنصرية الاميركية يعيد نفسه كل بضع سنوات. كيف لا، واول قانون للجنسية الاميركية العام 1790 تضمن منح الجنسية الوطنية لمن هو “حرّ وابيض”.

عنصرية متجذرة 

“الولايات المتحدة تأسست على اسس عنصرية، وبقيت رسمياً عنصرية لأكثر من 200 عام”، يؤكد سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة. “لذا، ستحصل حوادث قتل اميركي من اصل افريقي بين الحين والآخر، على يد شرطي ابيض، ستنتشر التظاهرات واعمال الشغب والنهب والتكسير، قبل ان تعود الاحتجاجات سلمية، ومن ثم تنطفئ بهدوء”.

واذا كانت العنصرية غابت من النصوص القانونية فإنها لا تزال اجتماعية وبقوة اكبر، يقول طبارة. وهي تشحذّت بوجود رئيس مثل دونالد ترامب يغذّيها بقوة عبر شحن مؤيديه من اليمين المتطرف.

فالظروف الاجتماعية الاميركية لم تسهم ابداً في تبديد الشعور بالعنصرية، لا بل اتت في السنوات الخمسين الاخيرة لتقوّيها اكثر، خصوصاً ان التغيّرات الاجتماعية والديمغرافية كشفت انخفاضاً في نسبة السكان البيض وصلت إلى 60% مقابل 18% من الـ Hispanic (مكسيكيون بالأساس)، و13% من السود الأفارقة، و6% من الآسيويين، و3% من جنسيات متبقية.

وقد اندلعت اول شرارة عصيان ضد العنصرية بعد اسبوعين فقط من اعتماد قانون الحقوق المدنية Civil Rights Act الذي حظّر ممارسة التمييز العنصري، حين قتل شرطي شاباً اسود عمره 15 عاماً في تموز 1964، فاشتعل بعدها حي هارلم في نيويورك.

ويوم اندلعت اعمال الشغب العام 1967 في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، من نيوآرك في نيوجيرسي إلى ديترويت ومينيابوليس في الغرب الأوسط، بعد سنتين على اشتعال حي واتس في مدينة لوس أنجلوس بأعمال العنف، حققت اللجنة الاستشارية الوطنية المعنية بالاضطرابات المدنية برئاسة حاكم ولاية إلينوي أوتو كيرنر – المعروفة باسم “لجنة كيرنر” – بأسباب الشغب. وخلصت الى ان “الاميركيين من أصل أفريقي يواجهون التمييز المنهجي، ويعانون من نقص التعليم والإسكان، ويفتقرون إلى القدرة على الوصول إلى الفرص الاقتصادية. وهم يعتبرون ان ما من وجود” للحلم الاميركي”.

وقد تكون العبارة الاهم في تقرير كيرنر “إن أمتنا تتحرك نحو مجتمعين: أحدهما أسود والثاني أبيض، ومجتمعين منفصلين ومتفاوتين”… الاكثر صدقاً، خصوصاً انه بعد عام فقط، ادى اغتيال مارتن لوثر كينغ – صاحب العبارة الشهيرة I have a dream العام 1968 إلى التمرد في عشرات المدن معاً.

فنحو 24.7% من السود يعيشون تحت خط الفقر، وتبلغ النسبة 12.7% على المستوى القومي الأميركي.

من هنا التمييز في التعليم، اذ ان ثلاثة ارباع نسبة ذوي البشرة السمراء لا تسنح لهم فرصة الدخول الى الجامعات. وتظهر الإحصاءات ان 54% فقط من الشباب السود يستكملون التعليم الثانوي مقابل 75% من البيض، كما ان الأميّة تطال 38% من السود في مقابل 14% من البالغين البيض.

وهم يتقاضون رواتب اقل من ذوي البشرة البيضاء وفق عدد من الاحصاءات، اظهر ان نسبة البطالة عند السود تبلغ ضعف نسبتها لدى عموم السكان، وحتى مستوى 70% لدى من لا يملك منهم شهادة الدراسة الثانوية.

اما اقتصادياً، فالأميركيون من اصول افريقية كانوا الاكثر عرضة للإستغلال في القطاع المالي بحيث فقد الآلاف منهم منازلهم لدى انفجار الازمة المالية في ما عرف بأزمة الرهون العقارية العالية المخاطر. وقد تكبد مصرف Wells Fargo غرامات ضخمة، بسبب تقاضيه أسعار فائدة أعلى من المقترضين الأميركيين من أصل أفريقي أو لاتيني.

والتمييز العنصري الاميركي لا يقتصر على الظروف الاجتماعية الصعبة التي يواجهها الاميركيون من اصول افريقية، لا بل يتعداها الى تفاوت ضمان القدرة على الوصول إلى العدالة، والذي يتفاقم بسبب نظام السجن الجماعي الذي يستهدفهم بشكل خاص بعدما أقرّت ولايات عدة وعلى رأسها كاليفورنيا في التسعينيات ، قوانين سميت بالـ “الثلاث ضربات” 3 strikes and you’re out (في إشارة إلى قاعدة في لعبة البيسبول). ومبدأ هذه القوانين هو امكان معاقبة ثالث جرم بالسجن مدى الحياة، من دون امكان الإفراج المشروط خلال 25 عاما. وأدت هذه القوانين في كثير من الأحيان إلى ادانات عبثية وقاسية، خصوصاً ان الجرمين الاولين قد يكونا تافهين وفي سن المراهقة مثلاً.

ويشكل ذوو البشرة السوداء 45% من السجناء في الولايات المتحدة. بحيث ان بعض الاحصاءات اظهر ان رجلاً أسود من أصل ثلاثة يدخل السجن مرة واحدة على الأقل في حياته في مقابل رجل أبيض من أصل 17. كما ان 40% من الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام فيهم وواحداً من كل ثلاثة نُفِّذ فيهم حكم الإعدام، هم من البشرة السوداء.

اما سياسياً، فالوضع ليس افضل، اذ العام 2017، كان 3% من أعضاء مجلس الشيوخ و 10% من مجلس النواب هم من الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية فقط. (1)

كورونا الضربة القاضية

جائحة كورونا شكلت الضربة القاضية للطبقة العاملة الاميركية التي يشكل ذوو الاصول الافريقية نحو 40 مليون عامل فيها. فحصدت الضحايا من بين ذوي البشرة السمراء بنسبة مضاعفة نظراً الى ان هؤلاء كانوا الاكثر عرضة للإصابة بسبب اعمالهم التي وضعتهم على احتكاك مباشر بمن لا يتمتعون بظروف فضلى لتجنب المرض، أعملوا في المؤسسات الغذائية ام تنظيف الطرقات ام النقل العام.

كما ان غالبية الاميركيين من اصول افريقية تعيش في احياء تفتقر لمقومات النظافة بيئياً واجتماعياً، اكان بالنسبة الى التلوث ام مياه الشفة النظيفة ام المساكن المكتظة.

وقد ذكر البيت الأبيض في نيسان 2020 أن فيروس كورونا يؤثر سلباً بشكل خاص على مجتمع الأميركيين من أصول أفريقية بسبب تفاقم اختلاف النمط الصحي. واشار الى ان انتشار أمراض القلب والسكري بين الأميركيين من أصول أفريقية، يأتي بمعدل مرتفع، مما يعقّد تفشي فيروس كورونا بينهم.

عنصرية بالممارسة

اذا كانت لا توجد في أميركا قوانين عنصرية، فإن التمييز العنصري يأتي من ضمن الممارسة، اذ انه موجود عملياً يومياً، خصوصاً أن العنصرية لم تحرم ولم تجرم بقانون كما في جنوب أفريقيا.

فالتبدل المجتمعي – اذا كان حقيقة سيحصل – يجب ان يبدأ من اعادة النظر في تعامل الشرطة الاميركية خصوصاً مع المواطنين من اصول افريقية، يقول السفير طبارة . وهذا صعب نظراً الى استحالة تدريب كل عناصر الشرطة في كل الولايات.

كما يجب تغيير الظروف الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والعملية للمجتمع الاميركي الاسود … وهذا يتطلب سنيناً، ان لم يكون عقوداً.

“عنصرية ترامب”

اذا كان واقع المجتمع الاسود اشبه بما كتبت صحيفة نيويورك تايمز: “قد يجد الاطباء لقاحاً لفيروس كورونا، الا ان ذوي البشرة السوداء سينتظرون طويلاً علاجاً للعنصرية”… فإن وجود دونالد ترامب على رأس البيت الابيض لم يسهّل المهمة.

فترامب الذي اكد انه “أقل شخص عنصري في أي مكان بالعالم”، وصفه 57% من الأميركيين بأنه عنصري، وفق استطلاع للرأي أجرته وكالة أسوشيتد برس بالتعاون مع مركز أبحاث الشؤون العامة “إن أو آر سي” في الولايات المتحدة في شباط 2018 . وهو سبق وقال خلال حملته الانتخابية العام 2016 بأن “المناطق التي يسكنها السود قذرة وشديدة السوء”. كما وصف المهاجرين المكسيكييّن الذين لا يحملون “أوراقاً ثبوتيّة بأنهم مجرمين أو مغتصبين أو أشخاص يجلبون المخدرات” وقال عن المهاجرين: “لن تصدقوا كم أنّ هؤلاء الناس أشرار، ليسوا بشرا، إنهم حيوانات”. وهو من منع رعايا ست من الدول ذات الأغلبية المسلمة من دخول الولايات المتحدة.

وتاريخ ترامب مع العنصرية ليس جديداً. فقد تمت مقاضاة شركته Trump Management عام 1973 من قبل وزارة العدل الاميركية بتهمةِ التمييز السكني ضدّ السود. ثم مقاضتها مرة ثانية العام 1978 لانتهاكها شروط التسوية من خلال الاستمرار في رفض تأجير المستأجرين السود، ناهيك عن مهاجمة الرئيس السابق باراك أوباما، باستهداف أصوله الأفريقية الأميركية.

ولم تسهم مواقفه المتطرفة في كسبه ودّ ناخبيه، لا بل كشف استطلاع للرأي أجرته شبكة “أي بي سي” بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست في اوائل 1918 عن موافقة 3% فقط من الأميركيين من أصول أفريقية على سياساته ومواقفه، فيما رفضها كلياً 97% من السود.

وعلى سبيل المثال، عبّر ترامب عن دعمه لتجمّع اقامه دعاة تفوّق العرق الأبيض في آب 2018 في مدينة Charlottesville في فرجينيا اثر تظاهرات عنيفة اعقبت اجتياح مشارك منهم بسيارته مجموعة معارضة للتجمع وقتله سيدة. فقال “كان هناك أشخاص طيبون جدا من الجانبين. لقد كان ذلك “عرضاً سيئاً للحقد والتعصب والعنف من أطراف عدة “، مساوياً بين التجمع العنصري ومن تصدى له.

وفي “قضية عدّاءة الحديقة المركزية”، واصل اتهام مجموعة من المراهقين السود واللاتينيين باغتصاب سيّدة بيضاء في الحديقة المركزية لنيويورك، رغم اعترافِ مجرمٍ باغتصاب تلك الفتاة وإثبات فحوصات الـ DNA صحّة اعترافه.

وأتت مواقفه الاكثر تطرفاً لتزيد الطين بلّة، اذ ميّز بوضوح بين منطقتين اميركيتين تعرضتا لعواصف مدمرة عام 2017. فقال : “تكساس، نحن معكم اليوم، معكم غدا، وسنكون معكم في كل يوم قادم حتى نرمم ونصلح ونعيد البناء!”… فيما قال عن بورتوريكو: “كل ما يقوم به سياسيّوهم المحليون هو التذمر وطلب المزيد من المال.. السياسيون عديمو الكفاءة تماما، ينفقون المال بشكل أحمق أو فاسد، وكل ما يفعلونه هو أخذ المال من الولايات المتحدة”.

وترامب هاجم ايضاً العام 2018 أربع نائبات ديمقراطيات ينحدرن من أقليات، ثم هاجم الزعيم التاريخي في حركة الدفاع عن حقوق السود القس آل شاربتون، واصفاً اياه بأنه “مخادع يكره البيض والشرطيين ” ، وذلك بعدما اعتبر ان دائرة النائب الديمقراطي المعارض عن مدينة بالتيمور إيلايجا كامينغز “تثير الاشمئزاز وتضيق بالجرذان”، علماً ان كامينغز من الناشطين بالعمل ضد العنصرية.

اما تغريدات ترامب، فحدث ولا حرج، اذ كشف تحقيق استقصائي قامت به الاذاعة القومية الأميركية انه يستهدف بها معارضيه من الاصول الافريقية في حين انه يحتفي بالأميركيين السود الذين يثنون على سياسته. وأحصت الاذاعة 900 تغريدة في ثلاثة اشهر، 50 منها استهدفت الاميركيين الافارقة.

وعلى سبيل المثال، فهو غرّد ان عضو الكونغرس السوداء ماكسن والتر من ولاية كاليفورنيا، المعارضة لسياسته “هي سيدة غير طبيعية ولديها إمكانيات عقلية شديدة الضعف، وهي مجنونة”. كما وصف مستشارته السابقة أوماروسا مانيغولت (وهي من اصول افريقية) “بأنها ليست أكثر من كلبة” لدى استقالتها من منصبها في البيت الابيض.

تضاف الى ذلك تغريدته عن المهاجرين في كانون الثاني 2018 حيث كتب: “لماذا يأتينا كل هؤلاء الأشخاص من دول حثالة؟ ما حاجتنا إلى مزيد من الهايتيين؟ أخرجوهم. يجدر بنا استقبال أشخاص من دول مثل النروج”.

فترامب الذي وعد الاميركيين من اصول افريقية خلال حملته الانتخابية بأن “ظروفهم المعيشية لن تعرف إلا التحسن خلال حكمه” … لم يف بوعده، فيما نشطت المنظمات التي تناضل لإنهاء العنصرية، وابرزها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية “ACLU”، وحركة BlackLivesMatter (حياة السود مهمة).

وفي مقابل الجماعات اليمينية المتطرفة المسلحة، ظهرت جماعة antifa (2) اليسارية المسلحة ايضاً، والتي انتشرت اميركياً بشكل اوسع منذ بدء ولاية ترامب الرئاسية.

اثر فلويد في الانتخابات

في ظل الاجواء المشحونة في ولايات عدة، هل سيؤثر مقتل جورج فلويد على حظوظ ترامب في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني؟

يبتسم السفير طبارة قائلاً: لم يتراجع تأييد ترامب عن نسبة تتراوح بين 40 و50% منذ انتخابه، ومهما قال او فعل. فهو يتوجه اساساً الى ناخبيه من اليمين المسيحي. وما وقوفه امام كنيسة حاملاً الكتاب المقدس في يده بعد الاحتجاجات الاخيرة، سوى رسالة انتخابية الى هؤلاء، جعلت المتحدثة باسم البيت الأبيض كايلي ماكيناني تشبهه بتشرشل الذي ذهب لتفقد الأضرار الناجمة عن القنابل على لندن ابّان الحرب العالمية الثانية.

فالعامل المؤثر الوحيد في الانتخابات، يؤكد طبارة، هو نسبة المشاركة فيها. فإذا بقي التجييش سائداً بالوتيرة نفسها في المجتمع الاسود، قد ترتفع نسبة مشاركة ذوي الاصول الافريقية والـ Hispanic، شرط ان يتزامن الارتفاع مع تراجع مشاركة ناخبي ترامب السابقين… وهذا ليس اكيداً.

المراجع

(1) دليل السير الذاتية للكونغرس الاميركي ودليل ابحاث الكونغرس.

(2) – حركة ” antifa ” ظهرت لأول مرة في ايطاليا لمناهضة الفاشية في بداياتها العام 1919، في اعقاب تصاعد قمع الجمعيات الاشتراكية والعمالية في البلاد آنذاك. وارتبط تاريخها بالزعيم الفاشي بينيتو موسوليني بعدما نجح في توحيد السلطة في ظل حزبه الوطني الفاشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات