Search
728 x 90

ابعد من المخاوف المالية …النظام في عين العاصفة

ابعد من المخاوف المالية …النظام في عين العاصفة

دائرة الاحتجاجات المطلبية الداخلية تثير الخوف من تمدد عدواها الى ما يتجاوز الخطوط الحمر فيما السياسيون باتوا جميعاً في موقع الادانة الشعبية والمعنوية الحادة. فهل بات لبنان مهدداً بالفوضى العارمة التي قد تقضي على النظام ؟

لا تتوقف المخاوف العميقة التي تنتاب النخب اللبنانية حيال ما تراه انزلاقا خطيرا غير مسبوق للواقع اللبناني نحو انهيارات اقتصادية ومالية بل تتمدد هذه المخاوف للمرة الاولى منذ التسعينات في اتجاه النظام الدستوري والسياسي نفسه .

والحال ان عينات بسيطة من الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها بيروت عقب تلويح أحد السياسيين الاكثر نفوذا في الحقبة الحالية وهو وزير الخارجية جبران باسيل الموصوف بانه رجل الظل الحاكم في عهد والد زوجته الرئيس العماد ميشال عون، بتخفيض الرواتب في القطاع العام بدت كافية بذاتها للاستدلال بما يمكن ان يبدأ في لبنان ولا يمكن ان يعرف كيف ينتهي اذا استفاق مارد الحاجة وترك قمقمه الى الشارع .

ومن خلال نماذج الاحتجاجات التي حصلت، ولو على نحو محدود، يمكن التساؤل بخوف فعلا: ماذا تراه يحصل لو تفلت الشارع مع تدفق شبيه بانتفاضة 14 آذار 2005 ولكن هذه المرة على خلفية اجتماعية مطلبية ومعيشية وليس سيادية وسياسية ؟

هذا الاحتمال لم يعد مجرد سيناريو افتراضي بعدما نزلت طلائع المتقاعدين العسكريين من ضباط وجنود سابقين الى الشارع كأول جرعة تحذيرية للحكومة من امكان تخفيض او الغاء ما يسمى التدبير الرقم 3 الذي يستفيد من تعويضاته الاستثنائية أفراد الجيش .

واذ بدا لافتاً ان يكون السلك العسكري المتقاعد طليعة حركة الاحتجاجات فإن العسكر النظامي العامل لم يكن صامتاً بدوره بل بادر الى تحرك فوري نحو الرئاسات الثلاث لمنع المس بأي حقوق مكتسبة تعود للجيش .

وما لم تأت الموازنة المقبلة مراعية لاقصى حدود العدالة والشمولية في توزيع التخفيضات او التنازلات الموقتة لموظفين عن مكتسبات ضخمة مالياً فإن الخشية من اعتمالات داخل الأسلاك التوظيفية المدنية والعسكرية ستتخذ طابعاً متوتراً للغاية ينذر بواقع مضطرب لا شيء يضمن ان يبقى خارج الضبط الأمني .

من هنا بدأت خلف الكواليس تساؤلات من نوع آخر تتصل بالمستقبل القريب للنظام الدستوري والسياسي ما دام الهيكل الاجتماعي مهدداً بالاهتزاز وبإطلاق منظومات جديدة من الازمات التي تختلف اختلافاً جذرياً بظروفها عن كل التجارب السابقة التي شهدها لبنان سواء في مرحلة ما قبل الحرب في العام 1975 او بعدها بلوغاً الى مرحلة المخاضات الصعبة الحالية.

ثمة في هذا السياق اجتهادات عدة ترقى الى مستوى الخلاصات العميقة حيال طبيعة النظام والمجتمع اللبناني ابرزها ما بدا يردده خبراء في الاقتصاد والمال من ان تركيبة لبنان غالباً ما عرفت تجارب قاسية مماثلة واستطاعت امتصاصها وتجاوز تداعياتها لأن واقع الاقتصاد اللبناني يقوم اساساً على حال مأزومة تكيّف معها اللبنانيون ولا تقوم تالياً في لبنان ثورات ذات طابع انقلابي نظرا الى سرعة تكيّف اللبنانيين من خلال تجارب الحرب خصوصاً مع أسوأ الظروف التي تضربهم وقدراتهم الأسطورية علو التحمل .

ومع ذلك فإن ما كان يصح سابقاً وفي ظروف تنطبق عليها القواعد الكلاسيكية اللبنانية يغدو مرشحاً لاعادة النظر الجذرية امام ظروف لبنان الحالية . فواقع لبنان المازوم اقتصادياً ومالياً لم يعد يقابل من حلفائه وداعميه في نادي الدول الشقيقة والصديقة التقليدية بالأهمية والأولوية التي يستحقها بدليل ان التخبط الهائل الذي يحصل فيه الان لا يقابله اي موقف عربي او خطوة تساعده على امتلاك القدرات التي تحتوي تداعيات العجز المالي والانزلاق نحو الانهيارات.

تبدل واقع لبنان منذ ان صار تعامل الدول الخليجية والعربية والغربية بمعظمها معه ينطلق من تحميل الطبقة السياسية تبعة تنامي نفوذ حزب الله وبسط سيطرته على معظم قطاعات الدولة. كما ان الدول الغربية، وان كان الاستقرار الأمني اللبناني تصنفه خطاً أحمر بالنسبة اليها، فإنها لم تعد تدرج لبنان ضمن أولوياتها ولو أطلقت مواقف معاكسة.

ووسط الاحتدام الهائل المشتعل في المنطقة لا نرى ما يضمن حفاظ لبنان على نظامه السياسي والدستوري يوم تبدأ المفاصلات والتصفيات والصفقات تنعقد تباعاً حول تقاسيم اقليمية لن يقف في مواجهتها اي خطر على دولة صغيرة مثل لبنان.

وما لم تضبط دائرة الاحتجاجات المطلبية الداخلية، فإن عدواها ستتمدد الى ما يتجاوز الخطوط الحمر التي يقبع عندها السياسيون الذين باتوا جميعاً في موقع الادانة الشعبية والمعنوية الحادة . فمن تراه يحمي لبنان في حال كهذه من فوضى عارمة تقضي على النظام وبقاياه المتهالكة ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات