Search
728 x 90

إيران التاريخيّة متى تستعيد الأفَق؟

إيران التاريخيّة متى تستعيد الأفَق؟

المواجهة في العالم العربي والشرق الأوسط على أوجِّها فأيُ حِكمة فارسية قد تعجِّل في وقف الانهيارات الآتية؟ وأي حِنكة عربيّة – غربيّة قادرة على صوغ بدائل عن الانهيارات الآتية؟

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

في آذار 2005، وعلى وقع انتفاضة الاستقلال الثاني، كنت في زيارة الى إيران بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط للتحدث ضمن مؤتمر نسّقه المجلس، مع رئاسة الجمهورية الاسلامية الايرانية حينها حيث كان السيّد محمد خاتمي مُصِرّ على مواجهة أطروحة صموئيل هنتنغتون حول حتميّة “صراع الحضارات”، وقد دوَّن طرحه المضاد في مؤلفه “حوار الحضارات”، والذي تبنته الأمم المتحدة، وأعلنت بالاستناد اليه عام 2001 حاملاً العنوان عينه للمؤلَّف.

وعلى وقع انتفاضة الاستقلال الثاني، وصلت الى طهران في الخامس عشر من آذار، ذُهِلت بتغطية الصحف الايرانية الاصلاحية لتظاهرة ساحة الشهداء، أقلّه من تصدّرها عناوين هذه الصحف مع صور هادرة المعاني. حاولت أن أفهم كيف يمكن تقبّل تغطيةٍ مماثلة في سياقٍ داعمٍ لِما سبق هذه التظاهرة في الثامن من آذار. الاجابة الوحيدة التي استطعت تكوينها كانت بعودتي الى خطاب الرئيس خاتمي في مدينة كميل شمعون الرياضية – بيروت (16 أيّار 2003)، والذي توجّه فيه للبنانيين بأنشودة حب وسلام قائلا: “هنا أرض الحرية والحوار”.

منذها، وبعد عامين من الخطاب، كان استشعاري في زيارتي الى طهران، خصوصاً وأنه كان بدأ هناك استعداد لانتخابات رئاسية حصد فيها الرئيس المحافظ أحمدي نجاد انتصاراً كاسحاً على الاصلاحيين، أن إيران الاستبلشمنت الديني – العسكري أضاعت على شعبها استعادة دورٍ تاريخي حضاري كنّا نتطلع اليه بإعجابٍ مع الرئيس خاتمي.

ليس صحيحاً أن استمرار إمساك الاستبلشمنت الذي ذكرنا بزمام المبادرة والتعبئة دليل انتفاء ديناميةٍ إيرانية، وخصوصاً على مستوى الكتلتين الاساسيتين في أي استعادة أفُق لدور إيران التاريخي في إيران نفسها بدايةً، عنَيت كتلة الشباب وكتلة النخب المثقفة. هذه لم تُفقِد الأمل في السعي لتصويب مساراتٍ في السياسات العامة، ولو انها تعاني عزلاً وتطويعاً، لكنها تودُّ تحوّلاً هادئاً، وهي تُراكِم في هذا الاتجاه، ويمكن استنتاج ذلك من نقاشاتٍ مع أصدقاء إيرانيين تلتقيهم هنا وثمة في مؤتمرات خارج إيران.

مفاد بعضٍ من هذه النقاشات قناعةٌ لدى هؤلاء بأن استمرار الأمور على حالها بعد أربعين عاماً على الثورة، وليس ذلك في عُرفِهم من قبيل الانقلاب بل من قبيل استخلاص العِبر، غير ممكن. وعلى الأرجح أن ثمّة في الاستبلشمنت من انتقل من حالة الصمت الى افتتاح بحثٍ معمّق في خياراتٍ تعيد لإيران الحضور البنّاء الهادئ. في إيران بدايةً. والحديث عن دورٍ اقليمي بات في مربّع استمرار بحُكم الأمر الواقع. وليس لدى هؤلاء من هاجسٍ سوى الانتهاء من تداعياته المأزقية، والتي باتت تثقّل كاهل الإيرانيين.

في أيّ حال، وبعيداً عن السياسة، حدّثني صديقٌ رجل دينٍ إيراني، أن الحاجة مُلِحة باتت لإعادة انتاج آفاق جديدة للبُنية الهويتيّة الوطنيّة، بمعنى استعادتها تألّقها في ابتداع مساحات حوارِ حضارية كتلك التي خطّها الرئيس خاتمي في مؤلّفه الذي اشرنا اليه في مطلع هذه المٌقاربة. وبالتّالي يتحتَّم أيضاً على الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة الاميركية، وعلى العَرب، وتحديداً المملكة العربية السعودية، والحديث لصديقي رجل الدّين الإيراني، يتحتَّم علىى هؤلاء تقدير الدينامية القائمة في إيران اليوم للعودة الى حالة مصالحةٍ مع ذاتها ومع العالم. وإذ يضيف صديقي، أن تقديراً مماثلاً سيمهّد السبيل لتمتين تماسك المرجعيّات الإصلاحيّة، فهو لا يُخفي إعجابه بنسقِ المشورة الذي يعتمده الاستبلشمنت الحاكم، لكن مع حذرٍ من أن تعثّراتٍ في صميم الثورة لم تسمح بتجدّدها بالمعنى الابداعي لهويّة تسالميّة كما يراها هو من صُلب إيمانه وما تحويه منظومة عقائده الدينيّة.

ويسترسل صديقي في تأكيد أن الحضارة الانسانيّة التي تختزنها أدبيّات بلاد فارس، ومنها افتخارٌ بوجود نوّاب يهود ومسيحيين أرمن وأشورييّن وزرداشتييّن في مجلس الشورى الإيراني، بما يؤشّر الى نمطٍ متسّقٍ في احترام التعدّدية، يسترسل في شرح مسبّبات الانكفاء الذي صممته إيران على المربَّع التسالمي، والذهاب باتجاه الانخراط في أزمات ما وراء الحدود، معتبراً أن هذا الانكفاء – الاندفاعي محاولة في مجهولٍ كان الأجدى تفاديه. لكن من الافادة بمكان الابتعاد عن محاكمته بتحميل الشعب الايراني المسؤولية عنه من ناحية، أو الانسياق وراء مقولاتٍ من مِثل أن لا أفَق سوى المواجهة من ناحية أخرى.

وحين سألته عن الخيارات التي يجدها أكثر فاعليّة وأقل ضرراً أجاب بهدوءٍ قلِق: “يتحتَّم علينا نحن أن نركن لمقاربة رصينة نسعى فيها لاستقطاب كفاءاتٍ من قلب الاستبلشمنت، لتطلق مرحلة تفكيرٍ انتقالي قائمٍ على اعتماد إيران لفلسفة النأي بالنفس عمّا لا يعنيها خارج حدودها، خصوصاً في ظل وضع اقتصادي صعب يسمح بجعل الأزمة بنّاءة أكثر منه تفجيريّة بما يجرّ على الاقليم شظايا كيانيّة تفتيتيّة”.

******************************

المواجهة في العالم العربي والشرق الأوسط على أوجِّها فأيُ حِكمة فارسية قد تعجِّل في وقف الانهيارات الآتية؟ وأي حِنكة عربيّة – غربيّة قادرة على صوغ بدائل عن الانهيارات الآتية؟ المعتدلون من الطرفين مدعوون لعقلنة ما قد يفرِضه باحثون عن دماء جديدة للخروج من أزماتٍ معيشيّة كارثيّة. أخاف أن يكون الهروب الى الأمام ترجمته العملانيّة انفجارٌ مُفتعَل بحجة استعادة ما يتمّ التفاوض عليه في الخِفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات