Search
728 x 90

أي أطر للعلاقات اللبنانية-السورية في العام ٢٠١٩؟

أي أطر للعلاقات اللبنانية-السورية في العام ٢٠١٩؟

ان فشل القوى السياسة اللبنانية في الاتفاق على إطار عام للتعامل مع النظام في سوريا لا يعفي لبنان من صياغة سياسة خارجية منسجمة، من حيث تنسيق الخطاب اللبناني في المحافل الإقليمية والدولية، مما يتطلب ان يوفّق لبنان بين أربع قضايا: توفير الظروف الملموسة من أجل عودة اللاجئين، التزامه ميثاق التضامن العربي في علاقته مع سوريا كدولة عضو في جامعة الدول العربية، التزامه بالمراجع الدولية الملزمة، والتزامه سياسة “النأي بالنفس” في الوقت ذاته.

ردينة البعلبكي *

في ظلّ انعدام الإجماع حول استئناف العلاقات مع دمشق والعودة عن قرار تعليق عضويتها في جامعة الدول العربية، ولأن الانفتاح العربي والدولي على النظام في سوريا والإسهام في إعادة إعمارها لا يزالان مرتبطين بالحلّ السياسي وفق بيان جنيف 2012، على الحكومة اللبنانية إذا أرادت استئناف العلاقات مع سوريا من بوابة إعادة الإعمار أو بهدف إعادة اللاجئين، ألّا تخرج عن رؤية وقرارات المجتمع الدولي والجامعة العربية لما في ذلك من عزلة للبنان على الصعيدين العربي والدولي، وإخلالٍ بـ سياسية “النأي بالنفس” على الصعيد الداخلي.

تتّسم العلاقات اللبنانية-السورية بكونها من العلاقات الثنائية شديدة التركيب ومتعدّدة المستويات. وهي وإن غلب عليها طابع التدخّل العسكري أثناء الحرب الأهلية في لبنان، ومن ثم التنسيق على مستوى نظام أمني لبناني- سوري متماهٍ في إطار الهيمنة والوصاية بين العامين 1990 و2005، إلّا أنها شهدت أيضًا، فترات من التفاعل بين القوى الحيّة في المجتمعين وتحديدًا إبتداءً من العام 2000، وهذا بمعزل عن التفاعل الإجتماعي السابق لنشوء الكيانين اللبناني والسوري، بفعل التداخل السكاني والاقتصادي والاجتماعي، وعلاقات القرابة بين الشعبين، خصوصًا مع الوجود الكثيف للعمالة السورية في لبنان.

وفيما يطغى واقع توظيف الهيمنة الأمنية في لبنان في خدمة السياسة الخارجية السورية بين العامين 1990 و2005، بوصفه ساحة لـ “القتال المضبوط” تُعلّق فيها النزاعات الدولية من دون أن تنفجر، فإنه على المستوى السياسي منذ العام 2000، ما لبثت كل كوّة فُتحت في جدار تفرُّد ومصادرة النظام لصوت السوريين السياسي، أن سمحت للتفاعل بين اللبنانيين والسوريين في أن يأخذ مجراه الطبيعي. إذ أدّت محاولة الانفتاح المحدود التي أعقبت وصول رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى الحكم، ومن ثم الانسحاب العسكري السوري من لبنان في عام 2005، فاندلاع الإنتفاضة الشعبيّة السوريّة في العام 2011، إلى خلق حراك سياسي لبناني-سوري يستند إلى منظومة قيَم مغايرة للخطاب الرسمي اللبناني-السوري التقليدي، يوثّق هذه الناشطية السياسية نصَّان مرجعيان هما الأبرز، وقَّعتهما مجموعة واسعة ومؤثِّرة إلى حدّ بعيد من المثقفين في البلدين: إعلان “بيروت – دمشق دمشق – بيروت” في عام 2006، وبيان “من أجل المستقبل اللبناني السوري” في عام 2011.

وعلى الرغم من أن الوجود السوري في لبنان ليس بطارئ، إلا أنه ومع بدء تدفّق اللاجئين عبر الحدود بفعل الحرب على السوريين في سوريا، ومع وصول عدد اللاجئين وفق متوسط التقديرات إلى المليون ونصف مليون لاجئ، والتدهور الجدّي لأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، لبس هذا الوجود لبوس الأزمة. ويقابل هذا الوجود على المقلب الثاني من الحدود، وجود لبناني عسكري إشكالي بالنسبة إلى العديد من الأفرقاء اللبنانيين، خصوصًا لناحية عدم إتساقه مع سياسة “النأي بالنفس”، مع استمرار التمثيل الديبلوماسي بين البلدين والتنسيق الأمني الجزئي وإن كان على مستويات رسمية أحيانًا.

وترافقت سياسة “الارتجال” اللبنانية الخارجية حيال الأزمة في سوريا وغيرها من أزمات الدول العربية ما بعد 2011، مع استثمار سياسي داخلي بملف اللجوء السوري، وسط ضبابية شديدة حول موقف الحكومة السورية من عودة اللاجئين إلى بلادهم على الرغم من استعجال حلفائها في لبنان (وأحيانًا مبادرتهم) إلى إعادة جزئية وإنتقائية، ومع المحاولة الروسية الرسمية لإستخدام هذا الملف في سياق حلّ للمعضلة السورية.

أنعشت المبادرة التي طرحتها روسيا خلال عام 2018 لإعادة اللاجئين إلى سوريا، الحديث بين الأفرقاء اللبنانيين حول العلاقات اللبنانية-السورية الذي كان استكان نسبيًا خلال السنوات القليلة الماضية، إذ أن هذه الأخيرة طرحت ضرورة أن تتمّ أية عودة من خلال مباحثات حكوميّة مباشرة مع النظام السوري، مما أدّى الى خلاف جدّي تعدّى قضية اللاجئين الى مسألة قبول التطبيع مع النظام السوري أو عدمه.

وحمل عام 2018 أخبار الحسم العسكري لصالح النظام السوري والقوات الداعمة له، بالتزامن مع انسداد أفق الحلّ السياسي في سوريا وانقطاعٍ طويلٍ -أو انعدام فاعلية- على مستوى المسارين التفاوضيين الدوليين المتوازيين في جنيف وآستانة، وخفت القتال فيها بعد عودة سيطرة الحكومة على مناطق عديدة كانت موضع اقتتال، باستثناء قتال تنظيم “الدولة الإسلامية”، ما أوحى بانتهاء المرحلة العسكرية من الحرب في سوريا، على الرغم من عدم حسم مصير مناطق شمالية وشرقية أساسية في الصراع السوري.

إزاء هذا الواقع الجديد، فإن فشل القوى السياسة اللبنانية في الاتفاق على إطار عام للتعامل مع النظام في سوريا، لا يعفي لبنان من صياغة سياسة خارجية منسجمة، لضرورة أن يتسق الخطاب اللبناني في المحافل الإقليمية والدولية، لا أن يقتصر العمل على القنوات الأمنية. ذلك أن الانفتاح العربي والدولي على النظام في سوريا والإسهام في إعادة إعمارها لا يزالان مرتبطين إلى حدّ ما بالحلّ السياسي وفق بيان جنيف 2012.

ويمكن ذلك استنادًا إلى مراجع دولية ملزمة، وفي إطار تحقيق التضامن في معالجة القضايا العربية الذي ينصّ عليه ميثاق التضامن العربي، من أجل تحقيق المصالح الوطنية اللبنانية، من دون الحاجة للخروج عن الإجماع العربي والدولي وانفراد بعض الديبلوماسية اللبنانية بدور المسوّق عربيًا ودوليًا لإعادة تطبيع العلاقات مع النظام في سوريا.

من هنا، فإنه على لبنان أن يوفّق بين أربع قضايا: توفير الظروف الملموسة من أجل عودة اللاجئين، التزامه ميثاق التضامن العربي في علاقته مع سوريا كدولة عضو في جامعة الدول العربية، التزامه بالمراجع الدولية الملزمة، والتزامه سياسة “النأي بالنفس” في الوقت ذاته.

ويكون ذلك ممكنًا من خلال:

أن تدعو الديبلوماسية اللبنانية، بالتعاون مع دول الجوار السوري ولا سيما العربية منها، إلى استئناف المفاوضات الدولية في إطار القرار الأممي 2254 (2015) الذي ينصّ على التوصّل إلى تسوية سياسية للنزاع بقيادة سورية، تلبي التطلعات المشروعة للشعب السوري، وفقًا لبيان جنيف 2012 و”بياني فيينا” 2015، وبخاصة أن لبنان عضو في المجموعة الدولية لدعم سوريا.

لذا، فإن لبنان مدعو وفقًا للقرار، إلى استخدام نفوذه من أجل المضي قدمًا بعملية السلام. والتسوية السياسية للنزاع في سوريا تبدأ بانطلاق العملية السياسية التي تقضي بإنشاء هيئة حكم إنتقالية شاملة تخوَّل سلطات تنفيذية كاملة لتقود الإنتقال السياسي الذي يشمل عملية صياغة دستور جديد، وانتخابات حرّة يشارك فيها كل السوريين، بمن فيهم أولئك الذين يعيشون في المهجر. فينشأ بذلك حكم يتمتع بمصداقية ويشمل الجميع ولا يقوم على الطائفية.

ويدعو القرار ببنده 12 دول الفريق الدولي لدعم سوريا إلى استخدام نفوذها على الفور تحقيقًا لأن تتيح الأطراف إمكانية الوصول السريع والمأمون وغير المعرقل للوكالات الإنسانية إلى جميع أنحاء البلاد، وأن تسمح فورًا بوصول المساعدات الإنسانية إلى جميع من هم في حاجة إليها، والإفراج عن أي محتجزين بشكل تعسفي، لا سيما النساء والأطفال.

وبشأن عودة اللاجئين، على الديبلوماسية اللبنانية أن تنشط ضمن الإطار العربي والدولي (أي تجنب أن يكون التفاوض ثنائيًا بين لبنان وسوريا) باتجاه وضع البند 14 من القرار 2254 في أعلى سلّم التفاوض لما في ذلك من مصلحة للشعبين اللبناني والسوري.

ويؤكد البند 14 الحاجة الماسّة إلى تهيئة الظروف المؤاتية للعودة الآمنة والطوعيّة للاجئين والنازحين داخليًا إلى مناطقهم الأصلية، وتأهيل المناطق المتضررة، وفقًا للقانون الدولي، بما في ذلك الأحكام الواجبة التطبيق من الاتفاقيّة والبروتوكول المتعلّقين بمركز اللاجئين، وأخذ مصالح البلدان التي تستضيف اللاجئين بالحسبان، ويحث الدول الأعضاء على تقديم المساعدة في هذا الصدد، معربًا عن دعمه لتعمير سوريا وتأهيلها بعد انتهاء النزاع.

أن تسعى الديبلوماسية اللبنانية ضمن الإطارين العربي والدولي، للضغط على الحكومة السورية من أجل موقف واضح حول رغبتها واستعدادها لإعادة شاملة للاجئين.

مراجعة المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والأطر التنفيذية، مثل معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق التي وقعّت في العام 1991، وإتفاقية الدفاع المشترك، بالإضافة إلى الإتفاقية القضائية التي أوقف العمل بها لأسباب تقنيّة وبشكل مؤقت، مراجعة جذرية، كونها لا تزال قائمة قانونياً.

 

*ردينة البعلبكي، باحثة ومنسقة برنامج “الشؤون العربيَّة والدَّولية” في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت.

ينشر معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت أسبوعيًا سلسلة من المقالات حول مواضيع مختلفة متعلّقة بالسياسات العامة والمرتبطة بالأبحاث والإنتاج الفكري الذي يصدره المعهد. تهدف هذه المقالات إلى تحليل الوضع القائم والبناء عليه لتقديم اقتراحات عملية للعام 2019 قد تُلهم صناع السياسات وأصحاب القرار والمهتمين بإيجاد حلول للأزمات القائمة وسبل للتطوّر والتقدّم في مجالات مختلفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات