Search
728 x 90

أين البيئة في خضم الانتفاضة اللّبنانيّة؟

أين البيئة في خضم الانتفاضة اللّبنانيّة؟

نجحت التظاهرات اللبنانية المعممة على كل المناطق في إيقاظ الحكومة من جمودها ودفعتها إلى تقديم رزمة من الإصلاحات قد ينعكس بعضها بشكلٍ غير مُباشر على القضايا البيئيّة، ولكن من المعيب الاّ يتم تقديم أي تدابير أو إصلاحات تهدف إلى معالجة الوضع البيئي بشكل مباشر. 

نديم فرج الله ورنا الحاج*

دَفع الوضع الاجتماعي – الاقتصادي المأسويّ في لبنان الشعب إلى التظاهر منذ ١٧ تشرين الأوّل ٢٠١٩، وظهرت القضايا البيئية في إطار هذه الاحتجاجات المُستمرّة حتى اليوم. ويعود ذلك إلى وضع البيئة المتدهور والأحداث الأخيرة التي عصفت في البلاد وأبرزها تلوّث الهواء الناتج عن دخان المولّدات الخاصّة وزحمة السير الخانقة وتلّوث المياه الناتج عن تصريف مياه الصرف الصحّي غير المُعالج التي تتسرّب إلى المياه السطحيّة والجوفيّة وكذلك الاستغلال غير المسؤول للكسارات والمقالع وحرق النفايات الصلبة. ومما زاد الطين بلّة حرائق الغابات الأخيرة التي دمّرت الآلاف من الهكتارات من الأحراج والغابات وتسببت بخسائر في الممتلكات، مما أدّى إلى مستوى غير مسبوق من الاستياء والإحباط لدى المواطنين اللّبنانيين.

إنّ تحميل مسؤولية هذه الظروف البيئيّة المُتدهورة إلى سياسات الحكومة خلال السنوات الثلاث أو العشر الماضية أمرٌ غير منطقي، فهي حصيلة تراكم عقودٍ من سوء الإدارة والفَساد وغلبة المصالح الخاصّة على المصالح العامّة. لكن لا بدّ من الإشارة إلى أن الحكومات الأخيرة لم تقدم أي إصلاحات مُستدامة طويلة الأمد تعالج السبب الجذريّ للكثير من المشاكل التي كان ولا يزال يواجهها لبنان، بل اكتفت بالقيام بـ “إسعافات أوّليّة” و”حلول سريعة مؤقّتة”.

لكن يُلاحظ، من خلال متابعة التغطية الإعلاميّة للاحتجاجات الشعبية وما يتمّ تتداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوعين الماضيين، ان مُضاعفات القضايا البيئيّة الكارثيّة شكّلت دافعاً أساسياً لهذه الانتفاضة الشعبية. ويظهر ذلك من خلال الهتافات التي تُسمَع أثناء الاحتجاجات والوعي البيئي لدى المُتظاهرين الذي دفع بعضهم إلى ردع زملائهم ومنعهم من حرق الإطارات تفادياً لثلوّث الهواء وقيام البعض الآخر بتنظيف الشوارع بشكل يومي من النفايات وجمعها وفرزها.

إنّ مطالب التغيير على الصعيد البيئي كثيرة، والعديد من هذه القضايا مُزمنة وتحتاج إلى وقتٍ طويل لحلّها، إلا أنه بالإمكان التركيز على بعض المطالب التي يمكن تنفيذها فوراً مثل استخدام الوقود الأقلّ تلويثاً في محطّات توليد الطاقة وتَحسين وسائل النقل العامّ للحدّ من تلوّث الهواء والتنفيذ الفوري للاستراتيجيّة الوطنيّة لإدارة حرائق الغابات للحدّ من حرائق الغابات أو تخفيفها وضمان تشغيل محطّات معالجة مياه الصرف الصحّي الحاليّة للحدّ من تصريف مياه المجاري في المسطّحات المائيّة. وبالتالي، سيؤدّي ذلك إلى تفعيل هذه الإجراءات فور انتهاء الأزمة الحالية حيث يتم الإعلان عن حال طوارئ بيئيّة وطنيّة وإنشاء لجنة وطنية من الخبراء تجتمع فوراً لمراجعة و/أو إعادة النظر في القرارات الأخيرة التي اتخذّتها الحكومة السابقة بشأن قضايا مثل خطّة إدارة النفايات وخطّة المحاجر الوطنيّة وغيرها، وأخيراً، اقتراح خريطة طريق بيئيّة.

نجحت هذه الانتفاضة بإيقاظ الحكومة من سباتها العميق ودفعتها إلى تقديم رزمة من الإصلاحات قد ينعكس بعضها بشكلٍ غير مُباشر على القضايا البيئيّة، ولكنه من المعيب أنه لم يتم تقديم أي تدابير أو إصلاحات تهدف إلى معالجة الوضع البيئي بشكل مباشر.

في هذا الإطار لا بد من التشديد على أن أيّ مكاسب قد تحققها هذه الانتفاضة لن تكون مستدامة ما لم تصحبها المطالبة بإجراء إصلاحات بيئيّة جذرية تبدأ بتغيير فلسفة الحكومة للتنمية على الصعيد الوطني.

*نديم فرج الله، مدير برنامج تغيّر المناخ والبيئة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، الجامعة الأميركية في بيروت.

*رنا الحاج، منسقة برنامج تغيّر المناخ والبيئة في معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية، الجامعة الأميركية في بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات