Search
728 x 90

أولهم “السلطان” وليس الصهر آخرهم… منذ الأربعينات، ظلّ للرئيس في ظلّ الرئيس

أولهم “السلطان” وليس الصهر آخرهم…                              منذ الأربعينات، ظلّ للرئيس في ظلّ الرئيس

للعميد ريمون اده، العازب المشهور، قول مأثور هو ان على رئيس الجمهورية ان يكون عازباً، وفي احسن الاحوال ان لا يكون لديه ابناء ولا انسباء.
وقد شهد لبنان ثلاث تجارب رئاسية قريبة مما توخاه العميد. اما الآخرون، فاقترنت عهودهم، قبل اتفاق الطائف وبعده، بأنسباء من داخل البيت صعد نفوذهم الى حد ان يصيروا ظل الرئيس.

ليس اصهار العهد ـ والمقصود رئيس الدولة ـ تجربة جديدة في الحياة السياسية اللبنانية. لا يعودون بالضرورة وحصراً الى مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، رغم انهم واكبوا معظم العهود المتتالية ابانه. ليسوا استثناء ايضاً اذا كان لا بد من مقاربة اوسع لظاهرة صعود القريبين في العائلة من عدد من رؤساء الجمهورية المتعاقبين. لم يُمسِ الصهر حاجة ملحة الا عندما يُفتقد دور الابن، من غير ان تختلف مهمة احدهما عن الآخر في ما يُعهد اليه. اول اللاعبين كان شقيقاً، ثم كان إبناً، قبل ان يستقر على الصهر. ما يعني في الاصل ليس حتمية هذا الدور فحسب، بل المغالاة في استخدامه واستغلاله والاجتهاد في ممارسة السلطة والسطوة وتحوّله مكانة مساوية احياناً لرئيس الجمهورية.

للعميد ريمون اده، العازب المشهور، قول مأثور هو ان على رئيس الجمهورية ان يكون عازباً، وفي احسن الاحوال ان لا يكون لديه ابناء ولا انسباء، كأنه يطلب رئيساً مقطوعاً من شجرة.

ثلاث تجارب رئاسية قريبة مما توخاه العميد: رئيسان لم يُرزقا ابناء هما فؤاد شهاب وشارل حلو، ورئيس عازب هو الياس سركيس. اما الآخرون، فاقترنت عهودهم، قبل اتفاق الطائف وبعده، بانسباء من داخل البيت صعد نفوذهم الى حد ان يصيروا ظل الرئيس، يحظون بدعمه، واحياناً يتجاوزونه من دون علمه، وفي كل مرة يرمون الى ان يصنعوا مستقبلهم السياسي هم من خلاله. بالتأكيد جاء الرؤساء بهؤلاء على انهم الاقربون اليهم كمساعدين، قبل ان يصبحوا ـ في الغالب ـ عبئاً عليهم.

منذ العهد الاستقلالي الاول ولدت السابقة. افتتحها بشارة الخوري من خلال شخصيتين متباينتين تماماً كانتا مؤثرتين بتفاوت، غير متشابهتين ابداً، ولا متكافئتين حتى، الا انهما كانتا تمتان بصلة مباشرة الى الرئيس وتحظيان برعايته: سليم الخوري شقيق الرئيس الذي وصف بـ”السلطان”، وشقيق زوجة الرئيس ميشال شيحا. لم يكن للثاني دور الاول النافذ في التدخّل في الشؤون السياسية حتى ادق تفاصيلها والتلاعب بها، وعُدَّ على الدوام العقل السياسي والفكري والاقتصادي للعهد، ذا تأثير فاعل في قرارات الشيخ بشارة وخياراته، من غير أن يضطلع شيحا بأي منصب رسمي إلى جانب صهره الرئيس. بيد انهما افترقا عام 1948 عندما عارض شيحا رغبة رئيس الجمهورية في تجديد ولايته، وانقطع عنه الى حد الانفصال مذ نصحه بعدم الإقدام على ما لا يجيزه له الدستور.

أما “السلطان” فشأن مختلف تماماً. صعد نفوذ سليم الخوري في منتصف الولاية الاولى عندما ترشح للنيابة عام 1947 مترئساً لائحة في مواجهة اثنتين اخريين اولى ضمت تحالف كميل شمعون وكمال جنبلاط وثانية ترأسها اميل اده. كان سليم الخوري الفائز الوحيد في لائحته، بينما حصدت لائحة شمعون وجنبلاط المقاعد الاخرى كلها. بانتهاء الانتخابات ارتفعت ضجة اتهمته بتزوير النتائج والضلوع في تكوين غالبية من حول الرئيس لفرض تجديد انتخابه السنة التالية، ما حمله على الاستقالة في آب 1948. في الانتخابات التالية عام 1951 ترأس مجدداً لائحة الموالاة في مواجهة تحالف شمعون وجنبلاط، ونجح في انتزاع نصف مقاعد دائرة الشوف عاليه.

اقترن اسم “السلطان” بفساد شاب العهد وتوظيف المحسوبين عليه ومنحهم امتيازات، ونُسبت اليه، تعبيراً عن غطرسته، عبارة ان في البلاد “سرايا فرن الشباك”، حيث يقيم، و”سرايا البرج” مقر رئاسة الحكومة في اشارة واضحة الى الحجم الذي اتخذه تدخله في الحياة السياسية اللبنانية. سهّل انتفاخ دوره تآكل هيبة شقيقه الرئيس، أب الاستقلال، وهيبته واثارة الشكوك والظنون والاتهامات حتى بالتورّط في الفساد. لم يكن الشيخ بشارة غافلاً عن كل ما كان يقال عن “السلطان”، بيد انه عزا تردده في لجم اندفاعه الى ضعفه بإزاء شقيقيه: سليم الذي احتاج الى وقوفه الى جانبه، وفؤاد المالك الفعلي لقصر القنطاري بعدما استأجرته منه الحكومة اللبنانية. ما لبث ان تهاوى نفوذ سليم الخوري عندما ارتأى الرئيس اخيراً ان يستقيل من منصبه عام 1952.

على مرّ العهود الرئاسية المتعاقبة مذذاك، مثّل “السلطان” سليم نموذجاً لم يتكرّر. لم يسع فؤاد شمعون، المفوض في الامن العام، الاضطلاع بدور مماثل قرب شقيقه كميل شمعون ما بين عامي 1952 و1958، وشاع عن الحقبة تلك احاطة الرئيس بعدد وافر من الاصدقاء والمعاونين الضروريين، من غير ان يمسي اي منهم ظله، كسليم الخوري، ولا تعريض سمعته لشبهات او تجاوزه، اذ ظل صاحب الكلمة الفصل.

مذذاك كان يقتضي انتظار عهد سليمان فرنجيه عام 1970 كي تتكرّر تجربة الشيخ بشارة بمنحى مختلف كلياً. لم يكن ثمة ظل له، لكنه كان وراء نفوذ العائلة في الحكم وتداخل دوريهما الى حد غير مسبوق. رغم الكثير الذي قيل عن عهدي فؤاد شهاب وشارل حلو عن تدخّل الجيش والاستخبارات العسكرية في الحياة السياسية والتأثير الفاعل فيها، ظلت سمعة العهدين نظيفة، خالية من شائبة الفساد، مع ان المعارضين المتشددين للرئيسين لم يروا غضاضة في ان يعزو الى ضباط الشعبة الثانية استغلال مواقعهم لممارسة النفوذ. وقد تكون عبرة شهاب حيال شقيقه شكيب اسطع مثال على الفصل الكامل ما بين الحكم والعائلة.

على اثر انتخاب رئيس جديد للجمهورية عام 1958، شاع لدى اهالي جونيه ان الرئيس المنتخب هو “اخو المير شكيب”. بلغت العبارة الى مسمع شهاب فاستهجن. افصح ذلك عن عدم معرفة كثيرين من اهالي مسقطه به لانكبابه، كقائد للجيش، على عمله وابتعاده عن الاضواء والعلاقات الاجتماعية والانخراط في السياسة. ناهيك بحياة شخصية منغلقة، خلافاً لشقيقه شكيب، قنصل لبنان في مصر آنذاك، الاكثر انفتاحاً على الناس بأن راح يفتح ابوابه لهم كلما عاد في اجازة لاستقبالهم والعمل على مساعدتهم وحل مشكلاتهم. بانتخاب شقيقه، عاد شكيب وعائلته الى لبنان للاستقرار فيه، الا ان الرئيس اتخذ قراراً بإبعاده مجدداً الى القنصلية اللبنانية في الاسكندرية، وحال دون ترقيته طوال السنوات الست من الولاية، ولم يسمح له بالعودة الا عام 1965 بحجة انه لا يريد لأخيه استخدام النفوذ والسلطة وتكرار تجربة “السلطان”.

خلافاً لظاهرة سليم الخوري الذي رَامَ الاضطلاع بدور رديف الرئيس الى جانب الرئيس، ومن خلاله ادرج طموحاته السياسية، من غير ان يتردد مرة انه كان يطمح الى خلافته، بل التحوّل الى الرجل القوي في العهد، سلك فرنجيه بعد انتخابه رئيساً عام 1976 منحى مختلفاً ذا بعد عائلي محض.

لم يكن قد انقضى شهران عندما جرى انتخاب فرعي في زغرتا لملء المقعد الذي شغر بانتخاب فرنجيه رئيساً. كان نجله الاكبر طوني المرشح الوحيد له، فشغله بالتزكية. بدت تلك اولى علامات رغبة الرئيس في تحضير خلافة ابنه له في زعامة زغرتا اولاً. في خطوة لاحقة على تكريس الزعامة العائلية والسياسية، في موازاة النيابة، سارع الى توزيره في ثلاث حكومات متعاقبة عامي 1973 و1974، في الحقيبة نفسها البرق والبريد والهاتف. تسبب اصرار الرئيس على توزير نجله في افتراقه عن حليف السنوات المنصرمة في تكتل “الوسط” صائب سلام، وبات شرط موافقته على تكليف اي رئيس جديد للحكومة دخول فرنجيه الابن الى صفوفها، فسلّم امين الحافظ وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح تباعاً بهذا الشرط.

قبل ذلك دعم فرنجيه انتخاب صهره عبدالله الراسي نائباً عن عكار، ونُسجت احاديث وفيرة عن صعود دوري زوجته ايريس وابنته صونيا زوجة الراسي في العهد، ناهيك بفتح ابواب الادارة امام الزغرتاويين على نحو قاد ريمون اده الى وصف المرحلة تلك ـ بعدما اضحى في المقلب الآخر من فرنجيه ـ بأنه “عهد كول وإشكور”. لم يتقدّم في العائلة احد دور نجل الرئيس، طوني، الذي تصرّف على انه اكثر من مساعد لوالده، وفي الوقت نفسه الزعيم الجديد للعائلة وزغرتا. في جانب آخر، لم يُتح لصهر الرئيس نائب عكار ان يصبح وزيراً الا بعد سنوات من انقضاء عهد فرنجيه، ابان ولاية امين الجميل عام 1984، بصفته ممثلاً عن الطائفة الارثوذكسية بعدما حالت الظروف حينذاك دون تمثّل فرنجيه، زعيم موارنة الشمال، بوزير ماروني. مذ فقد نجله في اغتيال بشع عام 1978 بات الراسي معاوناً رئيسياً لعمّه، من غير ان يكسبه ذلك حيثية سياسية مستقلة شأن “السلطان” سليم في ما مضى، وشأن ابن عمّه طوني. لم يتعدَّ ما فعله الرئيس السابق سوى تأمين انتقال الزعامة في البيت والعائلة والمنطقة.

منذ اتفاق الطائف، من دون الخروج على تقاليد الوراثة السياسية الحتمية، اضحت ظاهرة الصهر اكثر تعميماً وتجريباً، بل حالاً شبه مستقرة ومستمرة، وبات على اللبنانيين ان ينتظروا ظهور الصهر مقدار انتخاب الرئيس.

فور انتخابه اختار الياس هراوي صهره فارس بويز مستشاراً له في بدايات العلاقة والحوار مع سوريا والافرقاء الآخرين ما بين عامي 1989 و1990، قبل ان يعيّنه وزيراً للخارجية ويواظب على هذا المنصب ثماني سنوات بلا انقطاع، فبدا الرجل الاقرب الى الرئيس، المسموع الكلمة، ثم لاحقاً مرشحاً طبيعياً للرئاسة اللبنانية من غير ان يكون بالضرورة مرشح عمّه. بعد هراوي أحل الرئيس الخلف اميل لحود صهره هو الآخر الياس المر في وزارة الداخلية ما بين عامي 2000 و2004، قبل ان يُجبر على التخلي عنه، بقرار من دمشق، كي يحل في الحقيبة نفسها سليمان فرنجيه، ما لبث المر ان انقلب على عمّه واضحى في فريق 14 آذار مذ تعرّض لمحاولة اغتيال عام 2005. لأنه ارثوذكسي، لم يكن في وسعه ان يصل الى ابعد من حقيبة وزارية. لعل القاسم المشترك بين بويز والمر ان دوريهما النافذ والمتشعب في ظل عمّيهما لم يحجب قاعدة جوهرية هي ان رئيس الجمهورية هو صاحب القرار. لم يسع اي منهما، رغم تأثيره، الحلول محل الرئيس او التصرّف بالنيابة عنه، او الاجتهاد اكثر من النطاق المجاز له استخدامه، كأن يكون هو الرئيس الظل في ظل الرئيس الاصل.

الدور الذي اضطلع به ولا يزال ثالث صهر بعد اتفاق الطائف: جبران باسيل في عهد ميشال عون.

قد يكون من الحتمي وضع باسيل في منزلة مختلفة عن الظواهر المتعاقبة تلك. مع عمّه الرئيس هو اكثر من “سلطان”، واكثر من مستشار وصاحب كلمة مسموعة. بارادة الرئيس منذ وصل الى قصر بعبدا، يريده ان يكون خلفه. ولذا لا يشبه باسيل بويز، سلفه في وزارة الخارجية، عندما يجول بصفته هذه على القارات لعقد لقاءات حزبية وتعميم صورته كمرشح محتمل للرئاسة ويتعرف الى قيادات الدول ويستنفر اللوبيات اللبنانية ويحرّض الجاليات على الولاء لتياره. لا يشبه المر اذ اضطلع بدور الوسيط المعني بـ”غسل القلوب” كلما نشأت ازمة بين عمّه ورئيس الحكومة او رئيس البرلمان، بل يجتهد باسيل في ادارة دوره، وافتعال الازمات احياناً من اجل ان يعثر هو على حلولها. ولذا عُدَّ عن حق الشريك الحقيقي لرئيس الحكومة في السلطة، وإبرة توازن النظام، وميزان ممارسة الصلاحيات احياناً والاعراف حيناً. بغطاء كامل من رئيس الجمهورية، يضفي على نفسه صورة اكبر من الرئيس الظل ليمسي اقرب الى الرئيس المفترض. غالباً ما نصح عون قيادات لبنانية طلبت الاحتكام اليه بأن احالها على التفاهم مع صهره فقط. ربما بسبب هذا الجموح احاط الرجل نفسه بأوسع مروحة من الخصوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات