Search
728 x 90

أزمة انتشار فيروس كورونا وخطة الحكومة للاستجابة: مكانك راوح!

أزمة انتشار فيروس كورونا وخطة الحكومة للاستجابة: مكانك راوح!

في ظل غياب رؤية واضحة لمواجهة انتشار فيروس كورونا، استعانت الدولة بالبلديات لمراقبة تقيّد المواطنين بتعليمات التعبئة العامة … ولم يبق امام هؤلاء سوى البقاء في المنازل وعدم الاختلاط والتباعد الاجتماعي خصوصاً ان خيارهم أصبح حلاً أمنياً مع الطلب من الجيش والأجهزة الأمنية التشدد في تطبيق الحجر المنزلي.

خليل جبارة*

على مدار الأيام الماضية قامت إحدى وسائل الإعلام المرئية بحملة تبرعات لمساعدة المؤسسات والهيئات الموجودة في الصف الأمامي في مواجهة انتشار فيروس كورونا. كما تعددت حملات التوعية التي نُشرت عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي والتي سبقت دعوة الحكومة الى إعلان التعبئة العامة الصحية والتي أدخلت مفهوماً جديداً على أدبيات الاستجابة لأزمة انتشار الفيروس مثل “حظر التنقل الذاتي”.

هناك تساؤلات كثيرة حول أسباب تردد الحكومة وتأخّرها بإعلان حال الطوارئ التي لها مفاعيل إجرائية كبرى على الصعيد الدستوري وعمل المؤسسات. فمن المؤكد أن من المستحيل اتّخاذ هذا القرار في بلد مثل لبنان، يقيس معظم قراراته على مختلف الصعد بمعيار التوازن الطائفي الهش الذي يتحكّم بالنظام وباليوميات السياسية ويُقيّم أي قرار بمعزل عن ضرورته أو فائدته من منظار الأبعاد الطائفية والمذهبية.

أولى ركائز استجابة الدول لمكافحة تفشى فيروس كورونا هي زيادة الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي، وزيادة الإنفاق لدعم الاقتصاد، والقطاع الخاص، والدعم المباشر المادي للمواطنين بسبب الخسائر الطائلة التي سيسببها هذا الفيروس ومنها على سبيل المثال زيادة البطالة وانهيار المؤسسات الصغيرة. كما قامت الكثير من الحكومات بإلغاء سياسات التقشف التي تتّبعها وسياسة تحديد حدّ أقصى لعجز الموازنة. فالأولوية اليوم لدى أغلبية الحكومات لم تعد ترشيد الإنفاق، بل على العكس زيادته.

“أظهرت حملة التبرعات التي أُطلقت أخيراً غياب الثقة وحجم الفجوة بين المواطنين والسلطة بكل متفرعاتها والتي تراكمت على مدار السنين وانفجرت في لحظة ١٧ تشرين الثاني”

أما في لبنان، فقد أظهرت حملة التبرعات التي أُطلقت اخيراً غياب الثقة وحجم الفجوة بين المواطنين والسلطة بكل متفرعاتها والتي تراكمت على مدار السنين وانفجرت في لحظة ١٧ تشرين الثاني. برزت احتجاجات متعددة لدى المواطنين على قيام رجال أعمال وسياسيين ومتعهدين ومصارف بتقديم تبرعات مالية ضخمة لتلميع صورتهم، بينما أصرّ العديد من المتبرعين على التبرع بشكل أساسي لهيئات غير حكومية لأن ليس لديهم ثقة بالأجهزة الحكومية نظراً للهدر ولغياب الشفافية والمحاسبة.

في المحصّلة بينما أدّت الجهود الدولية للاستجابة لتفشي فيروس كورونا إلى عودة مفهوم “الحكومات الكبيرة”، أعلنت الحكومة اللبنانية منذ بضعة أسابيع التوقف عن سداد اليوروبند بالإضافة إلى قيود مصرفية مفروضة من قبل جمعية المصارف لم تتحرك السلطة التنفيذية أو التشريعية لوضع إطار قانوني لها، وانخفاض كبير بإيرادات الدولة، يجعل من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق شبه معدومة.

“إلا أن الأزمة الفعلية تبقى غياب خطة صحية عامة في لبنان وغياب خطة طوارئ صحية فعّالة لمكافحة الأزمة الطارئة المستجدة إضافة الى سوء تجهيز المستشفيات الحكومية وعدم فعاليتها في مكافحة الوباء”

وعليه، انطلقت خطّة الاستجابة الحكومية في لبنان من مفهوم الهبات، فعوّلت على تبرعات أفراد وشركات القطاع الخاص وجمعية المصارف ودعم تقني وعيني ومادي من قبل مؤسسات دولية مثل اليونيسف ومنظمة الصحّة العالمية بالإضافة إلى مبلغ مالي هو بالحقيقة جزء من قرض مقدم من قبل البنك الدولي قبل بضع سنوات إلى وزارة الصحة.

إلا أن الأزمة الفعلية تبقى غياب  فعّالة لمكافحة الأزمة الطارئة المستجدة إضافة الى سوء تجهيز المستشفيات الحكومية وعدم فعاليتها في مكافحة الوباء.

فمن ناحية أولى، يوجد في لبنان ٣٣ مستشفى حكومياً، أشهرها اليوم مستشفى الرئيس رفيق الحريري الجامعي، و٢٩ مستشفى تعمل بشكل كلي أو جزئي بينما هناك ٤ مستشفيات متوقّفة عن العمل بشكل تام.

“منذ تسعينيات القرن الماضي تمّت الاستعاضة عن تطوير القطاع العام وترشيده بالاعتماد على مشاريع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى في الوزارات مع العلم بأن جزءاً أساسياً من تمويل هذه المشاريع هو من خلال الموازنة العامة”

بدأت فورة بناء المستشفيات الحكومية، مثل المدارس الرسمية، مع انتهاء الحروب الأهلية، وخصوصاً من قبل مجلس الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار. لم تتلازم سياسة الإنفلاش في بناء المستشفيات الحكومية مع العمل على تبنّي استراتيجية صحية متكاملة وواضحة، فيصبح التفسير المنطقي لهذا العدد من المستشفيات هو تقسيمها بناء على التوزيع المذهبي ولأسباب سياسية وانتخابية.

اتّبعت الحكومة من خلال وزارة الصحة خطة مركزية لمعالجة المرضى المصابين بفيروس كورونا من خلال استقبالهم في مستشفى الرئيس رفيق الحريري الحكومي. هذه المستشفى التي كان من المفترض أن يُشكّل إنشاؤها نقلة نوعية على مستوى الخدمة الصحّية العامة وكان مرسوم لها ان تصبح صرحاً جامعياً للجامعة اللبنانية ينافس المستشفيات الجامعية الخاصة. لكن عوضاً عن منافستها للاستشفاء الخاص، عانت هذه المستشفى والمستشفيات الحكومية الأخرى من سوء الإدارة والتوظيف العشوائي غير المدروس والمرتكز على الزبائنية السياسية وتسييس تعيينات مجالس الإدارة، مما أّثر بشكل كبير على مستوي خدماتها. هذا بالإضافة إلى تأخّر وزارة الصحة الدائم عن تحويل مستحقات المستشفيات الحكومية.

قامت منظمة الصحة العالمية بتجهيز مختبر خاص في مستشفى بيروت الحكومي للقيام بفحوصات للحالات المشتبه بها بعدما تمّ إهمال المخبر المركزي الذي استحوذت موازنته لعام ٢٠١٩ حسب دراسة “مبادرة غربال” على ٠.٠٤٪ من موازنة وزارة الصحة العامة ومع العلم وبحسب أرقام الدولية للمعلومات، يشكل الإنفاق الحكومي على الاستشفاء في لبنان لعام٢٠٢٠، ١،٦٦٠ مليار ليرة لبنانية من قبل ١٧ جهة ضامنة حكومية!

من ناحية ثانية، وفي مواجهتها لفيروس الكورونا، اعتمدت وزارة الصحة على توصيات منظمة الصحة العالمية، فغياب استراتيجية حكومية صحية تتضمن خطة للتعاطي مع تفشي الأوبئة جعل من توصيات منظمة الصحة العالمية نقطة انطلاق استراتيجية وقد تكون الوحيدة للتعاطي مع هذا الفيروس. هذا الأمر ليس جديداً في لبنان، فمنذ تسعينيات القرن الماضي تمّت الاستعاضة عن تطوير القطاع العام وترشيده بالاعتماد على مشاريع الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى في الوزارات مع العلم بأن جزءاً أساسياً من تمويل هذه المشاريع هو من خلال الموازنة العامة.

ليست الكوارث غريبة عن لبنان، فقد عانى هذا البلد ما عاناه من حروب واجتياحات وحرائق وانهيارات لمبان قديمة بالإضافة الى سقوط الطائرة الأثيوبية عام ٢٠١٠. وبالرغم من كل هذه الكوارث، لا يوجد في لبنان إدارة حكومية مع مصوغ قانوني مسؤولة عن إدارة الكوارث. فاقتراح القانون الذي تقدم به الوزير الراحل بيار الجميل عام ٢٠٠١ بإنشاء جهاز ترقبي للحوادث والمعدل عام ٢٠١٢ من قبل النائب السابق محمد قباني ما زال يقبع في أدراج المجلس النيابي. وتمّت الاستعاضة عن إقرار قانون للكوارث مع صلاحيات قانونية واضحة لهيئة رسمية معنية بإدارة الكوارث بإنشاء وحدة لإدارة مخاطر الكوارث على شاكلة مشروع في السراي الحكومي، مدعومة من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ولها أفرع في المحافظات.

من ناحية ثالثة، طلبت الحكومة أيضاً من البلديات مراقبة تقيّد المواطنين بتعليمات التعبئة العامة وملازمة المنازل بالإضافة إلى مراقبة الأشخاص الذين من المفترض ان يحجروا على أنفسهم. وقد درجت العادة عند كل تحدي أو مفصل أن تطلب الحكومة من البلديات لعب دور أساسي، فقد طلبت سابقاً من البلديات إعداد خطط لمواجهة أعباء النزوح السوري في ظل غياب استراتيجية وطنية. في حين تعاني معظم البلديات في لبنان من شحّ مادي وعدم وجود كادر متخصص. فالبلديات في لبنان تشبه القطاع العام، حيث أن معظم التوظيفات مرتبطة بحسابات عائلية وانتخابية وتغيب عنها الكفاءة والتخصص وضعف في الجباية وتعتمد بشكل أساسي على الصندوق البلدي المستقل الذي لا يقوم بتحويل الأموال إلى البلديات بشكل منتظم، مما يجعل خطط البلديات غير واضحة ومتخبطة وهذا ما ظهر في مواجهة تفشي فيروس كورونا.

وفي ظل غياب رؤية واضحة لمواجهة انتشار فيروس كورونا، يبقى الخيار الوحيد للمواطنين  البقاء في المنازل وعدم الاختلاط والتباعد الاجتماعي. هذا الخيار أصبح حلاً أمنياً مع الطلب من الجيش والأجهزة الأمنية التشدد في تطبيق الحجر المنزلي. على أمل أن ينجح الحل الأمني بسبب عدم القدرة على التعويل على حلول أخرى!

*خليل جبارة، أستاذ وخبير في الشؤون الإداريّة والاقتصاد السياسي والتنمية المحليّة والسياسات العامّة، وزميل السياسات في معهد عصام فارس في الجامعة الأميركيّة في بيروت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات