Search
728 x 90

“أزمة النظام “ في لبنان : أين الوقائع من “الفزاعات “ ؟ 

“أزمة النظام “ في لبنان : أين الوقائع من “الفزاعات “ ؟ 

الدستور اللبناني عرضة لقضم ناعم باستمرار، ولتكريس اعراف تتناقض معه، ولإثارة تخلفه والطائف عن مواءمة صورة ميزان القوى الحالي. فهل بدأ العمل لمؤتمر تأسيسي جديد في ظروف يختارها الفريق الطامح الى قلب قواعد اللعبة؟

نبيل بو منصف 

تحمل نتائج ازمة تأليف الحكومة الجديدة في لبنان بعد مخاض الاشهر السبعة التي استهلكتها بكل التداعيات المخيفة التي اثقلت على اللبنانيين مزيداً من التراكمات الاقتصادية والمالية وعلى الدولة مزيداً من الاستحقاقات الداهمة، ما يرسخ الانطباعات القاتمة حيال بلد فقد معظم خصوصيات ميّزت نظامه الديموقراطي البرلماني في حقبات سابقة وحتى بعد الحرب وفي ظل الوصايات والاحتلالات .

والحال ان الازمة الحكومية والسياسية الاخيرة، وان غلب عليها شكلا وظاهريا طابع صراع الحصص بين مختلف الشرائح الطائفية والحزبية مدفوعة بنتائج الانتخابات النيابية التي اجريت في ايار الماضي على اساس قانون خليط بين النظام النسبي والنظام الاكثري ذات الأرجحية والأفضلية الطائفية والمذهبية، فإنها تبدو في عمقها ترسيخاً لمسار يخشى الخبراء الدستوريون والقانونيون المتضلعون في الواقع اللبناني من ان يؤدي تدريجاً وبالممارسات المتراكمة الى تقويض الخصوصيات الديموقراطية اللبنانية كما كانت عليها في الجمهورية السابقة لدستور الطائف وكما صارت عليها ايضا في ظل الطائف نفسه .

هذه الخشية لا تأتي من عدم وليست صنيعة هواجس كتلك التي يثيرها افرقاء سياسيون لبنانيون من اتجاهات تتمسك بالطائف وتتوجس من افرقاء آخرين ابرزهم “حزب الله” يتهمونهم بالعمل على تبديل منهجي للنظام واعتماد قواعد جديدة لتعديله عبر ممارسات تفرض امراً واقعاً قاهراً. ولكنها خشية لا تبعد في خلاصاتها عن تلك الهواجس بما يجعلها اشد خطورة نظراً الى الصدقية التي يكتسبها رأي دستوريين متجردين اكثر من آراء أطراف منخرطين في الصراعات الداخلية والانقسامات الحادة التي تطبع الواقع اللبناني .

لذا فإن ما خلصت اليه ازمة تأليف الحكومة الجديدة بدت لهؤلاء الخبراء من الزاوية الواقعية تكريساً لغلبة سياسية واضحة تجمح نحو جعل احد الأحزاب بمثابة نقطة ارتكاز لا يستقيم امر من دون موافقته ولا تنطلق عجلة سلطة من دون حضوره الآسر فيها .

هذا ما عنته الاشهر الطويلة من الازمة وعدم بلوغها الحل الا بموافقة “حزب الله “الذي ورث واقعياً دور الوصي السوري لجهة افتعال العقدة والمشكلة ومن ثم فرض نفسه كمعبر إلزامي لا يمكن التوصل الى اي حل من دون المرور به.

هكذا كان دور تلك العقدة المسماة عقدة تمثيل سنّة الثامن من آذار اي النواب السنّة الستة الذين يدينون بالولاء التام لحزب الله والذين فرض الحزب وجودهم كجناح معارض للحريرية ولوارثها الرئيس سعد الحريري ومن ثم دفع في اتجاه التسوية بينهم وبين الحريري مستفيداً من ضيق صدر رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بالازمة وخشيته من ان تؤدي الى انهيارات بالغة الخطورة بعد سنتين فقط من ولايته الرئاسية .

ولكن الاهم والاخطر من نجاح الحزب في فرض لاعب سياسي جديد ضمن تشكيلة الحكومة الجديدة هو تطبيع القواعد السياسية المفروضة بقوة الامر القاهر على رئيسي الجمهورية والحكومة اللذين ينيط بهما الدستور وحدهما صلاحيات تشكيل الحكومة .

ان تكريس هذا الامر الواقع يغدو اشد خطورة من تكريس عرف دستوري لانه يستند الى منطق القوة وميزان القوى وليس الى منطق التزام الدستور والحياة الدستورية السوية . يشبه ذلك ولو بشكل ملطف فرض التعطيل نحو سنتين ونصف السنة في رئاسة الجمهورية الى حين توافر ظروف انتخاب الحليف الاول للحزب في لبنان اي العماد ميشال عون . ثم انه على رغم الشكليات التي تشير الى وجود ثلاث عشرات تتوزع الحكومة الجديدة فإن الحقائق المجردة تشير الى ان فريق الحكم وحليفه حزب الله مع القوى الاخرى في تحالف 8 آذار يحظون بأكثرية الثلثين اي عشرين وزيراً في مقابل عشرة وزراء للرئيس الحريري وحليفيه القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي ولا شيء يمكن ان يحجب هذه الحقيقة مهما جُمّلت الوقائع في معسكر مقاومي تمدد نفوذ حزب الله.

وفي ظل ذلك لا يعود غريباً ان تتصاعد التساؤلات القلقة على مسار النظام اللبناني ومصيره ما دامت الحياة الرسمية تشهد جنوحاً هائلاً عن الدستور ولا من يدافع ويقاوم بالمستوى المطلوب.

فالمسألة تتجاوز كونها فزاعات كما يحلو لفريق الثامن من آذار ان يتّهم به خصومه لأن القضم الجاري باستمرار للدستور في كل مناسبة يثير اكثر الأسئلة تداولا على ألسنة اللبنانيين : هل يمهّد هذا القضم الناعم لانقلاب ولو سلمي يبدأ بتكريس أعراف تناقض الدستور ولا تنتهي بإثارة أقدمية الدستور والطائف وتخلفهما عن مواءمة الدستور مع صورة ميزان القوى الحالي في لبنان وبدء العمل فعلا وبلا مواربة لمؤتمر تأسيسي جديد في ظروف يختارها الفريق الطامح الى قلب قواعد اللعبة رأساً على عقب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات