Search
728 x 90

ذاكرتان: مجروحة وموجوعة لبنان والنزوح في معضلة الشعبويةّ!

ذاكرتان: مجروحة وموجوعة  لبنان والنزوح في معضلة الشعبويةّ!

التلاقي بين اللبنانيين والنازحين السوريين يتحول مستحيلاً في ظل الشعبوية السائدة لمقاربة ملف النزوح السوري، وما لم يتم الاخذ في الاعتبار مأسسته واعتماد سياسة عامة تعالج تداعيات مأساته كما ديبلوماسية المنهجية الفاعلة وترميم الذاكرتين اللبنانية والسورية.

زياد الصائغ

 خبير في السياسات العامة واللاجئين

 إنَّ الاستمرار في مقاربة مأساة النازحين من سوريا قسراً، وخصوصاً في ما يُعنى موجب عودتهم المُلِحّ، هذا الاستمرار إن تأبّدت فيه الشعبوية والتسييسيّة بعيداً عن الاحتكام الى المعطى العلميّ في إدارة الأزمات، سيُدخلنا لبنانيين ونازحين على حدٍّ سواء في دوّامة توتّراتٍ أتوجّس فيها إعداداً واستعداداً لغاياتٍ في أكثر من نفسِ يعقوب. وإنّ صحّ التوجّس سنواجه واقعاً شديد التعقيد والخطورة.

ثُمَّ إن الإصرار على تجاهل كم هو مؤثّر واقع النزوح على الذاكرة اللبنانية المجروحة تاريخيّاً من سوريا – النظام، والذاكرة السوريّة الموجوعة حتماً ممّا تواطأ في صياغته أعداءٌ – أصدقاء، ولا مجال للتوسّع هنا في أنماط الأحلاف الموضوعية القائمة في سوريا، إذ هنا يبتُ قصيد فَهم مآلات عدم نجاح المجموعة الدولية في إنجاز حلٍّ سياسي، هذا الإصرار يستأهل إنضاجاً لمسارٍ ترميميّ للذاكرتين اللبنانية – المجروحة، والسورية – الموجوعة. ويمكن الاعتبار في هذا السياق من مسارٍ ترميمي بدأ للذاكرتين اللبنانية والفلسطينية، بدأ منذ العام 2005 على قاعدة معادلة الكرامة للاجئين الفلسطينيين تحت سيادة الدولة حتى العودة.

بطبيعة الحال، وبسبب من قصور السلطة السياسية عن إنفاذ هذه المعادلة، رغم بلوغ لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني في رئاسة مجلس الوزراء حدَّ إنجاز رؤية لبنانية موحّدة تجاه قضايا اللجوء الفلسطيني، بما يعني بلورة العناوين العريضة للسياسة العامة، بسببٍ من هذا القصور، لم تستأنِس اللجنة الوزارية التي عُنيَت بصياغة البيان الوزاري لحكومة “الى العمل”، لم تستأنس بالفقرة التي أعدّتها لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، والتي صِيغت على كثافةٍ من الدقة، وهذا يشي باستمرار المعطوبية لدى فريق السُلطة في مواكبة مندرجات المفاهيم العلمية لبناءِ أي سياسة عامة ناجعة. في لبنان نحرٌ مستمر لمقدّرات الباحثين عن حلول، لصالح من يعقِّدون الأمور أكثر، كي يستأسِدوا من مواقعهم على الفضاء العام.

في أيّ حال، ما كانت إشارتي الى العلاقات اللبنانية – الفلسطينية سوى من قبيل التأكيد على أن ثمّة في لبنان تجارب دولتيّة (Etatique) ناجحة، أقلَّه في إعداد الرؤية وهندسة الخطوات العملانية. المأزق يكمن في استسهال صانعي القرار التجاهل والتلاعب والتذاكي. ما أودُّه فعلاً من هذه الإشارة، هو بالتالي وعيُ أنّ في الذاكرتين اللبنانية والسورية جراحٌ وأوجاع، بقدر ما بين لبنان واللاجئين الفلسطينيين. وعلى هذا الأساس قد يكون في المفيد التنبّه إلى مسائل ثلاثة قبل أن نُجاور أتوناً ملتهباً.

  • 1- لبنان والنزوح: مأسسة وسياسة عامة!

لا حاجة للبحث عن رؤية لمعالجة تداعيات مأساة النزوح ومآلاتها. وزارة الدولة لشؤون النازحين أنجزت بين شباط 2017 وتشرين الأول 2018، سياسة عامة أجهضها الأفرقاء الذين منعوا تنظيم وفود ووجود النازحين منذ العام 2011. الشواهد كثيرة والتاريخ سيكشفها. وجامعة الروح القدس – الكسليك قادت حواراً وطنيّاً جامعاً (حزيران 2017 – كانون الأول 2018) وأنتج ذلك سياسة عامة توافقية، ولو مع بعض التحفّظات. ومركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيش اللبناني، وبعد ورشة علميّة تحت عنوان: “لبنان والنزوح السوري: الأعباء وأولوية العودة” (تشرين الأول 2017) قدّم تصوّراً لسياسة عامة مع نُخبةٍ من الأكاديميين المتخصصين. ومعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية يثابر على متابعة الأزمة وصوغ أفكار لإدارتها بالمنطق السليم. من يطّلع على منتجات كل ما سبق يجدُه متطابقاً في المنطلقات والمبادئ وتوجّهات السياسة العامة.

المشكلة قابعةٌ في قرار تجهيل مرجعية اللجنة الوزارية المولجة قضيّة النزوح أو تفشيلها، وحتى تفادي المؤتمنين على حُسن انتظام العمل فيها الدَفع باتجاه إقرار استراتيجية متكاملة تضع حدّاً للتسيُّب هنا وثمة. مأسسة إدارة أزمة النزوح والعودة تحدٍّ بنيوي فشِل فيه لبنان حتى الآن، المُقبل من المؤشرات يشير الى تصدّعاتٍ أخطر.

  • 2- لبنان والنزوح: ديبلوماسية المنهجية الفاعلة!

لا يُفيد الاشتباك مع الأمم المتحدة والمجتمع الدَّولي وجامعة الدول العربية. ولا يفيد ادّعاء إحراز انتصاراتٍ وهمية في مواجهة هذه الاشتباكات. ولا يفيد اعتبار أنَّ التفاوض مع سبب المأساة كفيلٌ بوقفها. وفي هذا الإطار، ينبغي العودة الى ما عبّر عنه وزير خارجية دولة الفاتيكان الكاردينال بول غالاغر أمام المسؤولين اللبنانيين المدنيين والدينيين منهم (تشرين الثاني 2018) عن أن ما يجري في سوريا من فرزٍ ديموغرافي مذهبي وطائفي خطير جداً، دون أن يمر مرور الكرام على من يقوم بالفرز، ناهيك برصدِه أن المجتمع الدولي سيُسهِّل عودة النازحين إنما مع توفير ضمانات قانونية وأمنية واقتصادية لهم بواسطة الأمم المتحدة، وقناعته المبنيّة على تقاطعاتٍ ميدانية ومعلوماتية أن الحلّ السياسي في سوريا مؤجّل الى إشعارٍ غير محدّد. وبالتالي لبنان مدعوٌ لممارسة ديبلوماسية المنهجية الفاعلة، لا الاسترسال في الفلكلور الخطابي ذات العَضَل المشدود.

النازحون يجب أن يعودوا على قاعدة احترام المواثيق والمعاهدات والاتفاقيّات الدولية والعربية ذات الصِلة. وللعودة خارطة طريق دقيقة أكثر منه إطلاق جُملة شعاراتٍ، أو الإعداد لبعض عراضاتٍ قريباً لتقديم أوراق اعتماد أو تكريس موازين قِوى مُختلّةٍ أصلاً.

  • 3- لبنان والنزوح: ترميم الذاكرتين!

بقدرِ ما هو النزوح مأساة للنازحين وللجمتمعات اللبنانية المضيفة على حدٍّ سواء، بالقدر عينه نحن أمام فرصة التأسيس لمسيرة ترميم الذاكرة اللبنانية المجروحة، والذاكرة السورية الموجوعة. نحن والنازحون ضحايا. ولا يفيد نهجُ التموضع في حيِّز الجلاّد أو “الضحيّة”، كلٌ بحسب أجندته. ترميم الذاكرة اللبنانية – السورية يجب أن يسبِق أي اندفاعاتٍ غير مدروسة، وغير بريئة يريدها هذا وذاك لمصالحه. لبنان ما زال مجروحاً. والنازحون تستفحِل أوجاعهم. فبركة توتّرات ما بينهما لن يفي بغرض التّعمية على حقائق متراكمة. إطلاق حوارٍ هادئ بين النازحين ومضيفيهم لفَهمِ الاحتضان الإنساني، والهاجس السياديّ، ومقتضيات العودة، سيوفّر علينا خياراتٍ مدمّرة. ومن هذه المنصّة يمكن بدء البحث بمستقبل العلاقات اللبنانية – السورية. الناس يصنعون التلاقي وليس والأنظمة.

**********************

الشعبوية تلتهِم العقل العالمي. وعندنا شعبويّون محترفون، ومنسحِبون من المسؤولية يعتبرون انسحابهم “ضربة معلِّم”… حمى الله لبنان والنازحين من مرحلة أرى فيها انشداداتٍ واستقطابات لا مصلحة للحقيقة وللاستقرار فيها بتاتاً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات