Search
728 x 90

بروكسل (3) وأوروبا المُربكة !

بروكسل (3) وأوروبا المُربكة !

مؤتمر ” دعم مستقبل سوريا والمنطقة ” ينعقد منتصف آذار بنسخته الثالثة في ظل إعلان سوري – روسي – إيراني حسم الحرب على الإرهاب وعلى المعارضين للنظام السوري، كما انسحاب اميركي من سوريا وغياب التموضع التركي الواضح بين الولايات المتحدة وروسيا. فما المتوقع منه؟

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة واللاجئين

تحتضن أوروبا في مقرّ الاتحاد في بروكسيل، ومنذ أعوامٍ ثلاثة مؤتمراً دوليّاً لـ ” دعم مستقبل سوريا والمنطقة “. المؤتمر هذا العام يُعقد في أواسط آذار على وقع إعلان سوري – روسي – إيراني بحسم الحرب على الإرهاب وعلى المعارضين للنظام السوري، بل إعلان الانتصار فيها. يوازي ذلك إعلان الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من سوريا، ولو بقيَ هذا الإعلان في سياقٍ نظري. يُقابل هذين الإعلانين فوضى تُركية بمعنى غياب وضع التموّضع بين الولايات المتحدة وروسيا حليفين وعدوّين في الوقت عينه. وإسرائيل تمارس أمام هذا الواقع ما تراه هي مناسباً بغض النظر عمّا سبق.

هذه الوقائع تضع الاتحاد الأوروبي أمام إرباك في أيّ خياراتٍ تتخذ مع التطوّرات المتسارعة في سوريا، والتي هي في عمقها ديموغرافية وجيوبوليتيكية الى جانب تلك الميدانية. والإرباك المفترض قائمٌ في أنّ أوروبا كانت في صَلب التحالف الدولي ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، وهي ساندت المعارضة السورية المعتدلة، ودعمت صمود اللاجئين السوريين إنسانياً، وانخرطت بهدوء في مسار جنيف عبر مجلس الأمن بقراراته ومنطلقاته. ولوهلة، يبدو أنّ كلّ المقوّمات، عدا الانتصار على الإرهاب، باتت في مهبّ التسوية الأميركية – الروسية، مع انعطافةٍ عربية يحتّمها الاختلال في موازين القِوى.

من هنا لا بُدّ من فَهم أن نتائج مؤتمريّ بروكسيل (1) و(2)، اللذين انعقدا في صميم قيام التحالف الدولي، لم تؤد،عدا النقاش في نوعية وآليّات التدخّل الإغاثي والتنموي في معالجة أزمة اللاجئين والنازحين من سوريا كما الوقوف الى جانب الدُّول المضيفة، الى تظاهرة علاقات عامة باتجاه تكوين كتلة ضاغطة على سياق السياسات الدّولتيّة (Etatique). وتاليا لم تبلغ حدَّ أيّ تأثير فعليّ على ما يجري في سوريا، بل على العكس أثبتت نتائج هذين المؤتمرين، أن أوروبا تؤدّي دور الإسعاف الإنساني ليس إلاّ، في دوّامةٍ كثيفة التعقيدات.

بطبيعة الحال يُسجَّل لأوروبا، دُوَلاً منفردة أو منظومة متّحدة استمرار استنادها الى حدٍّ أدنى من المرجعية الأخلاقية في مواكبة الأزمات السياسية والصراعات العسكرية بمعنى التفاتها الى ضحايا هذه الأزمات والصراعات. لكنّ هذا الانكفاء نحو المُربّع الإنساني، يُثبت دعائم اللاتوازن العالميّ في تكريس منطِق الوسيط المحايد القادر على إدارة وساطاتٍ فاعلة بين المتصارعين. وبالتالي يمكن الجَزم بأن الاتحاد الأوروبي يتبدّى عاجزاً بالكامل حتى الساعة عن المساهمة في إنهاء مأساةِ الشعب السوري. التخفيف من المأساة بالمقاربة الإغاثية مؤقّت ومحدود. وما نشهده من إعادة إحياء لفرضيّة الاختيار الحتمي بين السيء في مقابل الأسوأ لا يُعبّر سوى عن تهاوي البُعد الديونتولوجي الذي كان يمكن أن تحمِله الديبلوماسية الأوروبية المُنهكة والمُربَكة، في مقابل صَلَفِ مِحور، وخُبثِ محور آخر.

بروكسيل (3) سيأتي نسخة مهتزّة الركائز عمّا سبقه في 2017 و2018. المانحون مُرهقون. والحل السياسي اغتيل تحت شعار الأولوية لاحتواء إيران. ربما كان الأجدى أن يُناقِش الأوروبيّون مع شركائهم في الأمم المتحدة وهيئات المجتمع المدني كيفيّة التحوّل الى مؤثّرين أكثر منه مسعفين. لأوروبا قدرات أكبر ممّا تحصُر نفسها به، والا ما معنى ملايين الأبحاث والسياسات العامة في ما يُعنى بالجوار الأورو – متوسّطي ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات